والدعاية التحريضية آنفة الذكر هي الدعاية التي تستخدمها الأنظمة المعادية، وأحزاب المعارضة، بهدف التحريض على قلب النظام القائم، كما أنَّ الأنظمة التي تستولي على السلطة تستخدمها أيضًا لمتابعة المنهج الثوري الذي أوصلها إلى السلطة ( [41] ) .
فالدعاية المضادَّة ـ كما سبق بيانه ـ هي من نوع الدعاية السلبية إذا كان هدفها الحيلولة دون تحقيق دعاية إيجابية لأهدافها، ومحاربة الدعاوى الرئيسة للخصم.
وقد تكون الدعاية المضادَّة أيضًا دعاية إيجابية في حد ذاتها، إذا كانت بمعنى الدعاية الموجَّهة من بلد ضد بلدٍ آخر.
وعلى هذا فإنَّ الدعاية المضادَّة (Counter Propaganda) تدلُّ على معنيين:
[1] الدعاية الموجَّهة من بلدٍ ضد بلدٍ آخر.
[2] التَّصدي لدعاية معادية بإعداد خططٍ وحملاتٍ دعائيةٍ مضادَّة، تفنِّد وتكذِّب هذه الدعاية الموجَّهة ( [42] ) .
ارتبطت الدعاية المضادة للإسلام بظهور الدعوة النبوية الشريفة، فقد أطلق المشركون في مكة الكثير من الدعايات المغرضة في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاتهموه: بالسحر، والكهانة، والجنون، وادَّعوا أنه شاعر، كما طعنوا في ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم ، وطالبوه بالمعجزات على صدق دعوته (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر الأرض لنا ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) ( [43] ) .
تعرَّض الإسلام للعديد من الدعايات التحريضية، والدعايات المضادَّة له، والتي تسعى إلى القضاء عليه والنيل منه. وقد بدأت هذه الدعايات منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وما تزال مستمرة إلى يومنا هذا.
وهكذا كان شأن جميع الأنبياء والرسل مع أممهم، فما من رسولٍ إلاَّ كان له أعداء، قال الله تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) ( [44] ) ، وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا( [45] ) .
وأخبر سبحانه وتعالى أنَّ الصراع بين الأنبياء وأعدائهم كان مستمرًا، وأنَّ المعركة والتدافع بين الحق والباطل مستمرة: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) ( [46] ) .
وأخبر تعالى أنَّ أعداء الإسلام لن يتركوا المسلمين في حالهم، ولن يتركوا دعوة الإسلام تمضي بسلام، بل سيحيكون لها المؤامرات، ويكيدون لها، قال تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ( [47] ) ، وقال تعالى (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) ( [48] ) .
إنَّ الدعاية المضادَّة للإسلام تتعدَّد أشكالها وألوانها، فقد كان المشركون في مكة في بداية الدعوة الإسلامية يطلقون دعايات مضادَّة للإسلام، وجاء بعدهم اليهود في المدينة المنوَّرة بعد الهجرة النبوية، وواصلوا مسيرة الدعايات المضادَّة للإسلام، واستمرت الدعايات المضادة للإسلام طيلة عهد النبوة، حتى انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واستمرت في عهد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه ، الذي ظهر في عهده المرتدُّون ومُدَّعو النبوة، الذين واصلوا حملاتهم الدعائية ضد الإسلام، وجاء من بعده عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، واستمرت في عهودهم حملات الدعاية ضد الإسلام من قِبَل المشركين، واليهود، والنصارى، والفِرَق المخالفة للإسلام على مدار التاريخ الإسلامي حتى يومنا هذا.
وفي هذا العصر نعايش الكثير من الدعايات التي تسعى إلى محاربة الإسلام وأهله، مثل: الدعاية الشيوعية التي كان يتزعمها الاتحاد السوفييتي السابق، والدعاية الأمريكية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والدعاية الصهيونية، والدعايات الغربية بصفة عامة متمثلة في الدول الأوروبية مثل: بريطانيا، وفرنسا، وغيرهما من الدول التي تقوم بحملات دعائية مضادة للإسلام.