ثم توالت بعد ذلك غزواته وسراياه وبعوثه ، فبلغت غزواته نحو سبع وعشرين غزوة ، قاتل منها في تسع: بد ر، وأحد ، و الخندق ، وقريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، و الفتح ، وحنين ، و الطائف ، أما سراياه وبعوثه فقريب من ستين .
وكان له صلى الله عليه وسلم تسعة أسياف: مأثور، و العضب، وذو الفقار (وكان لا يكاد يفارقه) ، و القلعي ، و البتار ، و الحتف ، و الرّسوب ، و المخذم ، و القضيب .
( قلت: ويستفاد من ذلك استحباب تسمية المجاهد لسلاحه الذي يقاتل به )
وكان له صلى الله عليه وسلم سبعة أدرع:
ذات الفضول ( وهي التي مات وهي مرهونة عند يهودي ) ، وذات الوشاح ، وذات الحواشي ، و السعدية ، و فضة ، والبتراء ، و الخرنق .
وكان له ست قسيّ ، وجعبة ، وترس ، وخمسة رماح ، ومغفر ، وراية سوداء ، وبيضاء ، وصفراء ، وثلاث جباب يلبسها في الحرب .
و المقصود من ذلك كله ؛ بيان عنايته صلى الله عليه وسلم بأمر الجهاد ، ومبادرته به ، وجعله من أهم أعماله ، و الاستعداد له ، واجتماعه عليه صلى الله عليه وسلم .
هذه سنته وطريقته ، هو وأصحابه خلافًا لما عليه المسلمون اليوم حكامًا وشعوبًا . وإن نظرة سريعة إلى حال الأمة اليوم مع الجهاد ؛ لتُفسر ما وصلت إليه من ذل ومهانة .
هذه مقدمة قصيرة ، الغرض منها بيان شدة عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الجهاد عناية عملية .
أما اهتمامه به قولًا وتشريعًا ؛ فهو كثير جدًا ،ومنه ما يلي:
1.قال صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة لمائة درجة ، ما بين الدرجة و الدرجة ؛ كما بين السماء و الأرض ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله"متفق عليه .
2.وقال عليه الصلاة و السلام:"من اغبرت قدماه في سبيل الله ؛ حرمه الله على النار"رواه البخاري .
3.وقال أيضًا:"رباط يوم وليلة في سبيل الله ؛ خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ، وأمن الفتان"رواه مسلم .
4.وقال رجل لرسول عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: لا تستطيع . قال: أخبرني به ؟ ، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر ، وتقوم لا تفتر ؟ قال: لا ، قال: فذلك الذي يعدل الجهاد"متفق عليه ."
5.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يجتمع كافر ، وقاتله في النار ، أبدًا"رواه مسلم .
6.وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف"فقام رجل رث الهيئة ، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا ؟ قال: نعم ، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل"رواه مسلم ."
فهذه - أخي - بعض النصوص في فضل الجهاد ، وقد اخترت الأحاديث التي في الصحيحين ، أو احدهما ، وتركت من الأحاديث الصحيحة ، التي خارج الصحيحين شيئًا كثيرًا طيبًا ، لا يسع هذا المقام ، لذكره كله ، لطوله وكثرته .
و النصوص السابقة إنما هي في فضل الجهاد .
أما فضل الشهادة و الترغيب فيها فشيء آخر ، وهو أعظم وأجل:
1.فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وإن له ما على الأرض من شيء ، إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة"متفق عليه ."
2.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"و الذي نفسي محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ، ثم أغزو فأقتل"متفق عليه .
3.وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين"رواه مسلم .
4.وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رأيت الليلة رجلين اتياني فصعدا بي الشجرة ، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل ، لم أر قط أحسن منها ، قالا لي: أما هذه فدار الشهداء"رواه البخاري .
5.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ، تعلق من ثمر الجنة ، أو شجر الجنة"رواه الترمذي وصححه ، وتعلق: أي ترعى من أعالي شجر الجنة .
6.وعنه - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ما يجد الشهيد من مس القتل ؛ إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة"رواه الترمذي وصححه .
7.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:"الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته"رواه أبو داود وصححه ابن حبان .