فهرس الكتاب

الصفحة 24328 من 27345

ونحن بموجب إدخال هذا الأساس المتمثل في تحقيق معنى العبودية لله سبحانه وتعالى، أكدنا أن الاقتصاد في الإسلام يرتبط بالقيم والأخلاق ويبحث فيما ينبغي أن يحقق معنى العبودية للمولى عز وجل. وقد كان هذا المعنى واضحًا في ذهن المفكرين المسلمين القدامى والمعاصرين. فها هو الدكتور فتحي الدريني يقول: العقيدة في الإسلام عنصر جوهري في تشريعه بوجه عام والتشريع السياسي بوجه خاص. لذا كان الكيان العقائدي أو الروحي أو الأخلاقي هو أول ما أرسى الرسول صلى الله عليه وسلم أركانه. قبل أن يضع أي نظام سياسي أو يقوم بأي إنجاز مادي في شئون المال والاقتصاد والحكم. فكانت دولتة فكرية تقوم على القيم والمثل والعقائد والأخلاق.

ثانيًا: مبدأ الاستخلاف:

ندرك جميعًا أن غالب أهل العلم قد اتفقوا على إقامة الدولة وتعيين الحكام. وهو أمر أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت مضى عندما اجتمعوا في سقيفة بني ساعده لاختيار خليفة له. ومنطلق هذا الاجتماع أن أمر الدين لا يقوم إلا بإقامة الدولة. يقول الإمام الغزالي:"الدين والملك توأمان فلا يستغنى أحدهما عن الآخر" (9) . ويقول في موضع آخرى:"إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا .. والدين والسلطان توأمان.. والسلطان ضروري في نظام الدنيا ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين" (10) .

فتحقيق معنى العبودية بشمولها لمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضرورة إخضاع الناس لما جاء به الشرع، يستلزم تدخل الحاكم لضمان هذا الالتزام وللتأكد من تناسق مسارهم مع ما أمر الله به ونهى عنه. وفي الشأن الاقتصادي، ترتكز الدولة على مفهوم الاستخلاف الذي يحكم علاقة المسلم بالمال والثروة التي تحت يده، لأن المال تتعلق به بعض الحقوق الاجتماعية. ولهذا قال تعالى: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) (11) ليؤكد بذلك أن أصل الملك لله سبحانه وتعالى، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضى الله فيثيبه على ذلك بالجنة (12) . بل وجاءت نصوص أخرى تؤكد أن المال هو مال الله، حيث يقول تعالى في الحث على الإنفاق: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (13) .

وهكذا تتأكد أن علاقة المسلم بما تحت يده من مال هي علاقة وظيفية أعطته حق التصرف في ماله في حدود ما أمر به الشارع. فملكية الإنسان هي ملكية استخلاف إلهي ومنحة ربانية موقوتة. تقوم حيث شرعها الله وتمتنع حيث منعها. وإذا قامت بالكيفية التي يريدها وإلى الوقت الذي يحدده، فهي مقيدة بما قيدها به الشارع الحكيم أسبابًا واستعمالا وانتقالا. فالبشر مقيدون في ملكيتهم بقواعد وشروط الاستخلاف.. فليس لهم إلا الانتفاع والتصرف بالقدر الذي أجازته الشريعة (14) .

والجهة التي كلفت شرعًا برعاية ومتابعة تحقيق معاني الاستخلاف هي الحكام (الأئمة) . لأن الاستخلاف من معاني الدين، والدين والملك توأمان، ونظام الدين لا يقوم إلا بالسلطان، كما تمت الإشارة لذلك في موضع سابق. ويتصل مفهوم الاستخلاف بدراسة وتحليل الظواهر الاقتصادية، لأن الاستخلاف يتعلق بالمال والثروة والتصرفات المتصلة بها اكتسابًا وإنفاقًا وإنتاجًا وإستهلاكًا واستثمارًا وادخارًا. ويتصل كذلك بالسياسات الاقتصادية التي تتبناها الدولة في شأن هذه المتغيرات ومن أجل تحقق الأهداف المرسومة. وهكذا يصبح الاستخلاف - بهذا المعنى - هو المرتكز الذي تستند عليه الدولة في اتخاذ قرارها الاقتصادي والقاعدة في المفاضلة بين السياسات الاقتصادية.

ثالثًا: مبدأ المرونة (الصلاح لكل زمان ومكان) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت