وفي هذا المقام يتجلّى الندم لدى هؤلاء بأشقى مظاهره وأتعس مراحله: {وقال الذين اتَّبعوا لو أنّ لنا كَرّةً فنتبرأَ منهم كما تبرأوا منا} ... فتبدّى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالّة، وتمنَّوْا لو يَرُدُّون لهم الجميل! لو يعودون إلى الأرض فيتبرّأوا من تبَعيّتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب!!
إنه لمشهد مؤثِّر، مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين، بين المحبين والمحبوبين، وهنا يجيء التقرير الإلهي المؤلم: {كذلك يُريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} .
وفي هذا السياق، لا بدّ لنا من تحليل نفسية وعقلية كل من التابع والمتبوع، حتى تتأتّى لنا الأسباب الكامنة وراء ضلالهم عن النهج القويم.
فمن أهم أسباب تبعيّة الأتباع للمتبوعين:
1.... خوفهم على أموالهم وأرزاقهم وممتلكاتهم.
2.... خوفهم على أعمارهم وحياتهم ودنياهم.
3.... خوفهم من بطش المتبوعين وأذاهم.
4.... فِسقْهم وانحرافهم وابتعادهم عن المنهج الرباني.
5.... رغبتهم في الدنيا وإقبالهم عليها وحرصهم على ملذّاتها.
6.... نسيانهم الآخرة.
7.... حرصهم على التزلف والتقرُّب للسادة والكُبَراء المتبوعين.
8.... هوانهم على أنفسهم ووأْدهم لشخصياتهم وإراداتهم وحرّياتهم.
أما أهم الأسباب الكامنة وراء استكبار المتبوعين وغطرستهم وإذلالهم لأتباعهم فإنها تتجلى في:
1.... انتفاش نفسياتهم وانتفاخها.
2.... استحواذ الشيطان عليهم.
3.... كفرهم بالله أو نسيانهم له وتعدِّيهم على حقّ الله في العبادة والإستعانة والحكم والتشريع.
4.... عدم إيمانهم بالآخرة.
5.... انحرافهم وانكبابهم على المعاصي والذنوب.
6.... اغترارهم بما جعل الله تحت أيديهم من مظاهر المال والجاه والسُّلطان.
7.... رضوخ أتباعهم لهم ورضاهم بما يمارسه متبوعوهم من استخفاف وازدراء واستعباد، وتنازل الأتْباع عن وجودهم وشخصياتهم وآرائهم.
وبما أنّ الاتّباع الأعمى مُنْزَلقة خطير وعاقبته وخيمة، فالأجدر بكل مسلم فضلًا عن كل عامل للإسلام أن يُبصر بتجرُّد ليتبيّن حقيقة الطريق الذي يسير عليه. وقد يبدأ الاتّباع بالتعصُّب لكلمة أو رأي مخالف للكتاب والسُّنّة بشكل لا يُخرِج من الدين، ولكن لا يجوز التهاون بذلك أبدًا فلعله يبدأ بكلمة وينتهي والعياذ بالله إلى ما يؤول إليه حال مَن خَلّدهم الله في نار جهنّم.
لذا فإنّ المؤمن لا بدّ له أن يستقي العِبَر من هذه الآيات الكريمة والتي منها:
1.... حبّ المؤمن لله ولشريعته حبًا مُطلقًا لا يوازيه شيء من أشياء الدنيا.
2.... على المؤمن أن يتّبع قيادة مؤمنة تقوده إلى طاعة الله ومرضاته.
3.... على المؤمن أن يتبرّأ من القيادات الضالّة التي تقوده إلى معصية الله مهما اختلفت أشكالها وأنواعها.
4.... العمل على إيجاد قيادة مؤمنة مُحبة لله عاملة على تطبيق شريعته تقود البشرية إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
5.... النهاية السيئة لكل (تابع ومتبوع) على غير شرع الله.
6.... عزة المؤمن بإيمانه بالله وعبوديته له تجعله يترفّع على هذه القيادات الضالة بنظرتها لحقيقة وجودها وما تملكه من إمكانات بشرية ومادية وأنه من رحمته لها وشفقته عليها يعمل على تقويم اعوجاجها وتصحيح مفاهيمها وإقصائها لشريعة ربها.
7.... من أهم أسباب وقاية المؤمن من اتّباع القيادات الضالة:
1.... اتصاله الدائم بالله وذلك من خلال العبادة والذِّكر وقراءة القرآن والتفكر في أحوال الأمم السابقة ومصيرها.
2.... نظرته إلى حقيقة مصير هذه القيادات يوم القيامة وذلك من خلال قياس أعمالها على شرع الله.
هذا ما نستشفّه من دروس وعِبَر هذه الآيات الكريمة، وإنّ هذه العِظات لجديرة بأن يُمحِّصها ويستفيد من دِلالاتها كل مَن انحرف عن النهج المستقيم بل ويعمل من الآن على تطبيقها، وعلى المجتمع المسلم أن يتطهّر من هذه الآفة الخطيرة.
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألْقى السَّمْع وهو شهيد} .