فهرس الكتاب

الصفحة 9003 من 27345

ومرجع ذلك إلى أن السنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة كل الدقة، منتظمة أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالأعمال، وهي في دقتها وانتظامها وجديتها كالسنن الكونية سواء بسواء.

سنن: الابتلاء، التمحيص، التمكين:

ومن أهم هذه السنن التي نبّه إليها القرآن الكريم: سنة الابتلاء، فهي تضع المؤمن على محك الاختبار، لقوله تعالى:أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [2] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ [3] } [سورة العنكبوت] . وقوله:كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ [35] } [سورة الأنبياء] .

ومن ثبات تلك السنة أنها قد بسطت في وحي الله وعلمها أناس قبل أن تقرأ في القرآن الكريم: فهذا ورقة بن نوفل يقول للنبي بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة:' يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ ' فيسأله النبي صلى الله عليه وسلم في تعجب: [ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ] ، قال:' نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ' رواه البخاري ومسلم.

وهذا قيصر الروم يقول في حديثه مع أبي سفيان:' سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ' رواه البخاري ومسلم.

وفي الحديث: [ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ] رواه مسلم.

ولعلم الله عز وجل أن الابتلاء هو الوسيلة لتمييز الصفوف وتمحيص القلوب؛ جعله سنة ماضية، فحملُ الأمانة لا يصلح له كل الناس، بل يحتاج إلى قوم مختارين، وهم الصفوة الذين يعدّون لهذا الأمر إعدادًا خاصًّا ليحسنوا القيام به.

ومن النتائج المترتبة على سنة الابتلاء لاحقًا: سنة التمحيص، فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة، فيُصقل معدنه من أثرها، والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة، فينكص على عقبيه؛ ولهذا جعل الله التمحيص مَعْبرًا لتنقية الصف المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس، كما في قوله تعالى:مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ... [179] } [سورة آل عمران] . وقوله تعالى:...وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [154] } [سورة آل عمران] .

وعلى ضوء سنة التمحيص تتحقق سنة أخرى، وهي سنة التمكين، إذ يمكّن الله للمؤمنين في الأرض بعد أن يثبتوا استحقاقهم للنصر بلجوئهم إليه وحده في وقت المحنة، وتجردهم له، وتطلعهم إليه في زمن الشدة، مستيقنين من نزول نصره بعد الأخذ بكافة الأسباب المأمور بها شرعًا من صبر وتقوى وإعداد.

وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه الحقيقة؛ فعندما سئل الإمام الشافعي رحمه الله:'أيما أفضل للرجل: أن يمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى'.

ومحصّلة هذه السنن: أن بعضها يمسك برقاب بعض كحلقات السلسلة يشد بعضها بعضًا، فلا تمكين بلا تمحيص، ولا تمحيص بلا ابتلاء؛ إذ متى تحققت أوائلها؛ تحققت أواخراها، إنها سنن ساطعة وحقائق ثابتة.

وجدير بالإشارة أن الحكمة من صرامة وثبات السنن الربانية: هو أن تنضبط الموازين، وتستقر معايير الحكم على الأشياء والمواقف والأحداث والرجال؛ لكن من ناحية أخرى: لا ينبغي أن يغتر المؤمن بهذا الاطراد والاستمرار؛ لأنه قد يورث الغفلة، قال تعالى:لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ [196] مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مًَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ [197] } [سورة آل عمران] .

فحين يشاهد المؤمن الكفار وهم يسعون في الأرض ويمكّنون اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، وتفيض عليهم كنوز الأرض وخيراتها؛ فليعلم أن ذلك ليس تمكين الرضا، بل يندرج ضمن تمكين الاستدراج، أو سنة الإملاء؛ فمن سنن الله الجارية أن يملي للكفار قبل أن يهلكهم:وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإلَيَّ المَصِيرُ [48] } [سورة الحج] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت