فهرس الكتاب

الصفحة 9004 من 27345

كما ينبغي ألا يغتر المؤمن بديمومة وامتداد النعم، فدوامها ينسي ـ عادة ـ أنها قد تزول في الدنيا بسبب من الأسباب، أو تضمحل وتذهب بموت الإنسان، ولذلك نبّه القرآن الكريم إلى الاعتبار بفنائها وزوالها:أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [205] ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ [206] مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [207] } [سورة الشعراء] .

سنن: التغيير، التداول، النصر:

من أهم دلالات سنة التغيير أن التغيير يبدأ من النفس سواء بالارتقاء، أو بالانتكاس والهبوط:...إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ... [11] } [سورة الرعد] . فإذا وجدت الأسباب فالنتائج تتبعها؛ إذ إن حدوث التغيير من الله مترتب على حدوثه من البشر سلبًا وإيجابًا.

ونتيجة لذلك: فالتغيير في واقع الدعوة ومحيط الدعاة يتوقف على بذلهم ما في الوسع؛ لتتوجه الجهود إلى العمل الجاد في التغيير الذي يبدأ من داخل النفس، ومن داخل الصف المسلم، ومن ثَمّ: تنفذ فيهم سنة الله في التغيير؛ بناءً على تعرضهم لهذه السنة من خلال سلوكهم وأعمالهم:وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ [69] } [سورة العنكبوت] . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة يمثلون الجماعة التي أخذت على عاتقها مسؤولية التغيير، وحماية الحق الذي آمنت به، وإن كان من وراء ذلك جفوة الأهل وسخط العشيرة وعذاب الملأ من قريش ونكالهم.

فلم يصرفهم الاضطهاد والفتنة عن أن يضطلعوا بأعباء الدعوة، ويسعوا جاهدين إلى تغيير ما بأنفسهم وتغيير واقعهم من واقعٍ شركي إلى واقع إيماني، فترى تغيير الأنفس في النماذج الكثيرة من الجيل الأول الذي ما إن يشهد أن لا إله إلا الله، حتى يعود من فوره إلى بيته ليحطم الأصنام التي طالما عبدها، ويقطع العلائق والوشائج التي طالما وثقها حتى مع أقرب الناس إليه.

وتلك الحال الإيمانية الحية التي تمت نتيجة المجاهدة للنفس والشيطان قد أثمرت بالفعل تغييرًا جذريًّا وانفصالًا كليًا عن الحياة السابقة، حيث انخلع المسلم من البيئة الجاهلية وعُرفها وتصورها وعاداتها وروابطها، وتلألأت عقيدة التوحيد في نفسه، وصار مع المؤمنين، مانحًا إياهم ولاءه وحبه.

وللتنبيه: فإن الفترة السابقة لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم تعدّ من أحلك الفترات في تاريخ البشرية وأكثرها ضلالًا وضياعًا؛ والعالم البشري كله كان يعيش حالة مزرية تحتاج إلى جهد ضخم وعمل هائل لتغيير أوضاعه وعقائده وأنظمته، وانتشال الناس من هذا الواقع المؤلم الرهيب، فكان الإعداد لتلك المهمة الضخمة يبدو ظاهرًا جليًّا في كل مرحلة من مراحل الدعوة، بل في كل خطوة من خطواتها، فالأمر كله جدّ ونَصَب وصبر وبلاء.

فمنذ نزلت:قُمْ فَأَنذِرْ [1] } [سورة المدثر] . قام النبي صلى الله عليه وسلم قيامًا جهاديًّا متواصلًا، نازل به قومه قريش والعرب قاطبة، ثم اليهود والدولة البيزنطية، فجاهد الناس بالقرآن:...وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [52] } [سورة الفرقان] . كما جاهدهم بالحديد حتى يستقيموا على دين الله:...وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بًَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [25] } [سورة الحديد] .

وهذا ما أعلنه بقوله: [بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ] رواه أحمد.

ومن السنن الربانية: مداولة الأيام بين الناس، من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر: قال تعالى:إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [140] } [سورة آل عمران] . وهذه السنة نافذة بحسب ما تقتضيه سنة تغيير ما بالأنفس:ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ... [53] } [سورة الأنفال] .

وهنا يضع الله عز وجل أيدينا على سر عظيم، وهو ارتباط المداولة بين الأمم والدول والمجتمعات مع التغيير النفسي والذاتي في الأمة؛ فسقوط الحضارات ونهوضها، والأمم في ارتفاعها وهبوطها، مرتبطة بهذا التغيير النفسي في مسارها عبر التاريخ والحاضر والمستقبل، وهي سنة ماضية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت