يقول رشيد رضا رحمه الله في 'تفسير المنار'10/42:'... إن أَنْعُمَ الله تعالى على الأقوام والأمم منوطة ابتداءً ودوامًا بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد وأعمال تقتضيها، فما دامت هذه الشؤون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها، كانت تلك النعم ثابتة بثباتها، ولم يكن الرب الكريم ينتزعها منهم انتزاعًا بغير ظلم ولا ذنب، فإذا هم غيّروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم'. وهذا السلب يكون بالإدالة عليهم؛ بتسليط عدو عليهم يستأصل شأفتهم، ويكون ذلك سببًا في انهيارهم، وزوال ملكهم جزاء فسقهم وعصيانهم.
ومن أسباب الفتن وزوال النعم: أن يفشو فيهم الظلم، وعدم إقامة العدل، والجهر بالمعاصي، فيأخذهم الله بالسنن، ويبتليهم بالأمراض والفقر، ويجعل بأسهم بينهم، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ] رواه ابن ماجة.
وقد تكون الإدالة على المسلمين بتخلف النصر عنهم حين يتركون طاعة الرسول، أو يطمعون في الغنيمة كما حدث في غزوة أحد، أو حين يركنون لكثرة العدد، ويعجبون بأنفسهم، وينسون سندهم الأصيل كما وقع في غزوة حنين. وحينئذ تكون الغلبة لغيرهم بصفة مؤقتة، لحكمة هي استكمال حقيقة الإيمان ومقتضاه من الأعمال، ومتى تحقق ذلك جاء النصر؛ لأن 'الهزيمة في معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس همودًا وكلالًا وقنوطًا، فأما إذا بعثت الهمة، وأذكت الشعلة، وبصّرت بالمزالق، وكشفت عن طبيعة المعركة وطبيعة العقيدة وطبيعة الطريق: فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد' [طريق الدعوة في ظلال القرآن، ص 248] .
إن سنة النصر لا تتخلف متى استوفيت الشروط، وأهمها:
الاستقامة على منهج الله بطاعة أمره واتباع رسوله: قال تعالى:...إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [7] } [سورة محمد] . وقال تعالى:وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ [171] إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ [172] وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ [173] } [سورة الصافات] .
وجاءت عوامل النصر جلية واضحة في قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [45] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [46] } [سورة الأنفال] .
وإذا تخلفت هذه الأسباب؛ تخلف النصر بطبيعة الحال، وربما حلت الهزيمة؛ لأن سنن الله تعالى لا تحابي ولا تجامل أحدًا من الخلق، ولا تجاري أهواء البشر، وإنما تساير أعمالهم، وإنّ الذين يرثون الكتاب وراثة بالاسم وشهادة الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي واقعًا سلوكيًّا، ثم يقولون: سيغفر لنا!.. لا يستجيب الله لهم حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله في كتابه المنزل:فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثوا الكِتَابَ يًَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإن يًَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يًَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [169] } [سورة الأعراف] .
وبناءْ على ذلك، فإن السنن لا تحيد ولا تميل مع الأماني، وإنما تتأثر بالأعمال الجيدة والجهود المنظمة والمخططات المحكمة؛ للوصول إلى النتائج المحددة المطلوبة. ومعنى ذلك: أنه لا يمكن أن يكون النصر بغير اتخاذ الأسباب سواء أتعلق الأمر بالمؤمنين أم بالكفار.