أما في حالة"المدخل المستقل في الإصلاح الاقتصادي"، فتبدو السمة الرئيسية لهذا المدخل في قدرة الدولة على توفير التمويل الذاتي، أو من مصادر أخرى غير الصندوق والبنك. ومن ثم فإن هذا المدخل غالبًا ما يرتبط في تطبيقه بالدول الصناعية والنفطية إلى حد ما، بهدف مواجهة حالات الركود الاقتصادي أو مواكبة التطورات الاقتصادية في الغالب (8) ، وإن كان ذلك لا يعني عدم لجوء بعض الدول إليه لمواجهة أزمة مديونية خارجية، طالما كانت الدولة قادرة على توفير التمويل دون اللجوء إلى الصندوق والبنك.
يترتب على الاستقلالية نتيجة مهمة تتمثل في أنه، وبعكس الحال في سياسات التكيف الهيكلي الموصى بها من الصندوق والبنك، لا يخضع التكيف ذو المدخل المستقل لنموذج واحد (9) ، بحيث تراعي الدولة، في النموذج المطبق، ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يترتب عليه نتيجة على درجة كبيرة من الأهمية تتمثل في قدرة الدولة، في حالة المدخل المستقل، على ضبط الآثار السلبية لعملية الإصلاح الاقتصادي، وخصوصًا على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
الناحية الثانية للجدل حول سياسات التكيف الهيكلي، ترتبط بأهداف هذه السياسات ومدى فعالية الحزمة المكونة لها في تحقيق تلك الأهداف المعلنة. ففيما تتمثل أهداف سياسات التكيف الهيكلي بحسب الصندوق والبنك في (10) :
1-النمو الاقتصادي، وذلك من خلال عدد من الآليات تتمثل في تشجيع الاستثمار في المشاريع الإنتاجية وزيادة المدخرات الوطنية، واجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية.
2-الوصول بميزان المدفوعات إلى حالة التوازن بما يمكن من سداد الديون الخارجية في مواعيدها المحددة.
فانه من وجهة نظر أخرى (باحثو العالم الثالث على وجه الخصوص) ، تتمثل أهداف هذه السياسات في:
1.إنقاذ البنوك الغربية الدائنة لتلك الدول التي تبنت سياسات التكيف الهيكلي، والتي كانت مهددة بالإفلاس في حال توقف الدول المدينة عن الوفاء بالتزاماتها، بما يهدد"النظام المصرفي الرأسمالي العالمي بكامله"، خصوصًا وأن تلك البنوك كانت قد قدمت قروضًا تزيد عن حجم رأس مالها بكثير (11) .
وتملك وجهة النظر هذه، في رأينا، الكثير من الوجاهة في ضوء أسباب نشأة سياسات التكيف الهيكلي من حيث ارتباطها بتفجر أزمة المديونية العالمية، وتبني الصندوق والبنك لمبدأ التزام الدول المدينة بالوفاء بالتزاماتها كاملة تجاه الدائنين.
2.فتح أسواق البلدان المدينة أمام منتجات البلدان الرأسمالية من خلال تحرير التجارة كأحد شروط أو إجراءات سياسات التكيف الهيكلي، مع إبقاء الدول الرأسمالية لسياساتها الحمائية لمنتجاتها (12) التي تعتبر أحد أسباب تفاقم مديونية البلدان النامية. وإدماج الأخيرة في لاقتصاد الرأسمالي العالمي بهدف استثمار رؤوس الأموال الغربية فيها وزيادة أرباحها (13)
، بكل ما يعنيه ذلك في المحصلة من نتائج إيجابية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الغربية.
3.إن سياسات التكيف الهيكلي،التي تعبر عن الرؤية الرأسمالية في التنمية، تقف، ومن منطلق أيديولوجي، ضد القطاع العام (14) .
أما فيما يتعلق بحزمة الإجراءات التي تتضمنها سياسات التكيف الهيكلي، والمتمثلة في (15) :
1-تخفيض الإنفاق العام، من خلال تخفيض النفقات الاجتماعية، وإلغاء الدعم عن السلع وكذلك الموجه للقطاعات والخدمات العامة.
2-زيادة الإيرادات.
3-تعويم أسعار الفائدة (الدائنة والمدينة) .
4-تخفيض سعر صرف العملة.
5-تشجيع التصدير، من خلال رفع القيود عن المعاملات الخارجية.
6-التحول نحو القطاع الخاص على حساب القطاع العام فيما يطلق عليه عملية"الخصخصة". فيبدو الاعتراض الجوهري هنا هو أن الصندوق والبنك إنما أنشئا أساسًا لمواجهة متطلبات، وبما يتلاءم وأوضاع الدول الصناعية الغربية (الرأسمالية) ، ومن ثم، وبرغم كون إجراءات سياسات التكيف الهيكلي صحيحة"من حيث اتفاقها والنظرية الاقتصادية الرأسمالية، التي تصلح للتطبيق في اقتصاد متقدم" (16) فإنها تظهر نتائج متناقضة في حالة البلدان النامية، كما في حالة تخفيض العملة أو رفع أسعار الفائدة ... الخ، والتي تناولتها العديد من الدراسات (17) .
وإضافة للنقد السابق، يوجه الانتقاد لسياسات التكيف الهيكلي وما تتضمنه من إجراءات، لكونها، وكما ألمحنا سابقًا، عامة موحدة بالنسبة لجميع الدول التي تأخذ بها. بعبارة أخرى، فإن هذه السياسات (الإجراءات) لا تأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الموجودة بين تلك الدول من حيث ظروفها ومتطلباتها وأولوياتها المختلفة.