فهرس الكتاب

الصفحة 3402 من 27345

أما على صعيد نتائج تطبيق سياسات التكيف الهيكلي والآثار التي تمخضت عنها، فعلى الرغم من أن هذه السياسات إنما وضعت أساسًا لمعالجة مشكلة اقتصادية، فإن آثارها، وكما يظهر من الإجراءات التي تتضمنها، قد امتدت لتشمل جوانب اجتماعية وسياسية، يبرز ضمنها مجموعة من العوامل وثيقة الصلة بظاهرة (عدم) الاستقرار السياسي؛ كالفقر، والبطالة، والتفاوت في توزيع الدخل، وتناقص الشرعية السياسية.

نتائج وآثار سياسات التكيف الاقتصادي الدولية

تظهر الأدبيات المتعلقة بسياسات التكيف الهيكلي تباينًا شديدًا في وجهات النظر حول الآثار والنتائج التي أفرزها تطبيق هذه السياسات. فعلى الرغم من أن سياسات التكيف الهيكلي إنما وضعت أساسًا لمعالجة مشكلة اقتصادية، وبالتالي فهي تستهدف، من الناحية المجردة، جوانب اقتصادية بحتة، فإن آثار هذه السياسات قد إمتدت لتشمل جوانب اجتماعية وسياسية داخل الدولة المنفذة لها. ومن ثم فإن الحديث عن نتائج وآثار سياسات التكيف الهيكلي يستدعي التمييز بين الجوانب السابقة اقتصادية، واجتماعية، وسياسية.

أولًا: النتائج الاقتصادية:

يستدعي الوقوف على حقيقة هذه النتائج، تحديد منهج دقيق لقياسها. ويمكن

التمييز هنا بين منهجين إثنين (18) :

1.قياس آثار سياسات التكيف الهيكلي بالفرق بين مستوى المتغيرات المستهدفة (Target Variables) قبل وبعد تنفيذ تلك السياسات.

2.قياس آثار سياسات التكيف الهيكلي بمقارنة أداء المتغيرات المستهدفة عند تطبيق السياسات وادائها بدونها.

وعلى أساس ما سبقت الإشارة إليه من وجود تناقض في إجراءات سياسات التكيف الهيكلي، يذهب البعض إلى أن هذه السياسات إنما تسهم في (19) :

1.خلق ركود اقتصادي.

2.تغذية التضخم.

ويبدو أن هذه الاستنتاجات النظرية تجد الكثير من التأييد من نتائج التطبيق على أرض الواقع، ومن ذات واضعي هذه السياسات.

ففي دراسة لصندوق النقد الدولي عام 1995، بعنوان: "IMF Conditionality Review: Experience Under Stand - By and Extended Arrangements"

تناولت سياسات الإصلاح، المرتبطة باتفاقات مع الصندوق خلال الفترة من منتصف 1988 وحتى منتصف 1991، في ست وثلاثين دولة متوسطة الدخل، أظهرت الدراسة أن الانجاز الاقتصادي الايجابي كان أساسًا في الحسابات الخارجية، بينما لم تظهر ذات النتيجة على صعيد الأهداف الداخلية من تضخم واستثمار وتنمية. وبشيء من التفصيل، فإن التحسن في أداء الاقتصاد الكلي، الذي انتهت إليه الدراسة، قد حدث، في أغلب تلك الدول، اثناء فترة تنفيذ سياسات الإصلاح تحديدًا، بحيث لم تحتفظ جميعها بهذا التحسن في الفترة اللاحقة.

بل إنه وحتى على مستوى الديون الخارجية، التي تندرج ضمن القطاع الخارجي الذي ترى الدراسة أن الإنجاز قد تم فيه، فإن العديد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ووسط أوروبا لم تستطع الوفاء بالتزاماتها الخارجية لعدم تدفق رؤوس الاموال بالقدر الكافي، والتي تشكل أحد الأدوات الرئيسية في نجاح سياسات التكيف الهيكلي، وتراجع نمو الصادرات مقارنة بما كان عليه مع بداية سياسات الإصلاح.

أما فيما يتعلق بالأهداف على المستوى الداخلي، فتبدو النتائج أكثر مدعاة للتشاؤم. ففي مقابل انخفاض معدلات التضخم في عدد قليل من البلدان، موضع الدراسة، فإن بقية هذا البلدان قد شهدت تصاعدًا في معدلات التضخم، أو على الأقل، استمرار معدلات التضخم المرتفعة التي كانت تعاني منها.

وعلى صعيد النمو والإستثمار، وبرغم حصول زيادة في النمو ومعدلات الادخار، فإن أيًا من تلك البلدان لم يشهد نموًا سريعًا، بل إن مساهمة الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي لم تشهد زيادة إلاّ في عدد قليل منها (20) .

ويعزز النتائج السابقة، النتائج التي توصلت إليها دراسة أخرى حول أداء"الاقتصاد الكلي"في كل من إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الاتينية، باعتبارهما المنطقتين الرئيسيتين، على ضوء تنفيذها لسياسات التكيف الهيكلي. وتتلخص النتيجة هنا في أن أداء الاقتصاد الكلي قد ازداد سوءًا خلال فترة الثمانينات. في هاتين القارتين.

فعند النظر إلى القارتين كوحدة واحدة، تتمثل نتائج تطبيق سياسات التكيف الهيكلي في: إنخفاض دخل الفرد، وانخفاض الاستثمارات، وازدياد التضخم. وكذلك، وبرغم إظهار الحساب الجاري -في بلدان القارتين لبعض التحسن، فإنها بقيت تعاني من عجز كبير، على الرغم من جدولة وعدم سداد خدمة ديون تلك البلدان تقييد الواردات.

أما عند النظر إلى القارتين بشكل منفصل، فإن النتائج تتمثل بعدم وجود أي تحسن في عجز الموازنة في أفريقيا جنوب الصحراء فيما إزداد الأمر سوءًا في أمريكا

اللاتينية.

وبرغم التحسن الحاصل في النصف الثاني من الثمانينات فيما يتعلق بنمو الناتج المحلي الإجمالي، فإن الاختلالات المالية وفي الحساب الجاري التي أظهرت مؤشرات إيجابية في النصف الأول من عقد الثمانينات، عادت للتراجع في النصف الثاني منه (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت