ولو ألقينا نظرة خاطفة في المائة سنة الماضية من تاريخنا المعاصر لوجدنا أنها مكتنزة بالتجارب الثريّة وقد عايشنا بعضها أو عايشنا من عايشها ، وقد تميز القرن الماضي بأنه قرن التجارب على مستوى العالم ، فكل فكرة بقيت جامدة على امتداد التاريخ دبت فيها الحياة وتمثلها أقوام في هذا القرن ، والعالم الإسلامي ليس معزولًا عن العالم ، فقد تأثر إيجابًا قليلًا وسلبًا كثيرًا بما حصل من أحداث على مستوى العالم ، كما أن هذا القرن تميز بأفكار الإصلاح والنهضة والمد والجزر في العمل الإسلامي .
وتشتد حاجتنا بالوعي بهذه التجارب خاصة ونحن الآن نمر بمرحلة مخاض عسير بعد تحطم السفينة وضياع البوصلة وفقدان القبطان وكثافة الضباب وقوة الموج ونحن في لجة البحر تتقاذفنا الأمواج في جميع الاتجاهات فلا نستطيع تمييز الطريق الصحيح ، ولم نجد من يمسك بالدفة ويصلح عطلها بل من يلملم شتاتها ، فاستحضار التجارب ووعي الدروس من أهم ما نقوم به في هذه المرحلة .
ولو أردنا استعراض جميع التجارب التي حصلت لطال بنا المقام ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله .
ولنبدأ بالصدمة الحضارية التي أصابت العالم الإسلامي عمومًا والمبتعثين للدراسة في الغرب خصوصًا ، حينما أفاق العالم الإسلامي على تاريخ مزهر وواقع مخجل ، وعدو متفوق متقدم غزاة في عقر داره بخيله ورجله وأفكاره وصناعاته ، فأدت الصدمة إلى خلخلة الاتزان التي مازلنا نعاني منها حتى إشعار آخر ، ومن أكثر الأمور عجبًا ذلك الشيخ الأزهري المعمم الذي أرسل في بعثة ليكون مفتيها ومرشدها ، ولتكون مواعظه حصنًا لهم ضد التأثيرات ، فكان أولهم تأثرًا وأسرعهم في تلقي الفكرة الأوربية واحتضانها وأجرؤهم في نقلها بحذافيرها للعالم الإسلامي ، وهنا تساءل لماذا تأثر هذا الشيخ وأمثاله ؟ بل كانوا على رأس المتأثرين .
فالمفترض أن يكونوا الحصن الأخير المقام والحامي لأفكار الأمة وعقائدها ، هل هناك خلل في إعداده لمواجهة المتغيرات ؟ وهل كان التعليم الديني منغلقًا - كما يدعيه البعض - ومانعًا العقول من التفكير ، فينهار الطالب عند أول صدمة ويستسلم استسلامًا كليًا ؟
قد يقال: إن تأثره بسبب الظرف التاريخي ، فقد كان مع بداية الاحتكاك بين الشرق والغرب ، ولم يكن المجتمع - والعلماء جزء من تكوينه - بعون هذا الفارق الثقافي والحضاري ولا كيفية التعامل معه ، لكن بعد ذلك وعوا التجربة وعملوا على تحصين طلابهم فكريًا وثقافيًا ضد هذا النوع وأمثاله من الغزو .
هذا ما نتمناه ولكن هل وعينا التجربة وعيًا متكاملًا ؟ أشك في ذلك بدليل التأثر بل التساقط المستمر إلى يومنا هذا وإن اختلفت طريقة التأثر .
ثم ما ترافق مع الصدمة من محاولة مستميتة للتوفيق بين الإسلام وبين ما انتجته تلك الأمم من فكر وثقافة ، وقد اكتنف محاولة التوفيق هذه كثيرًا من التجاوزات كان الغبن يقع فيها غالبًا على الدين وثوابته ، وقد تفرع عن هذا خلاف في المقبول والمرفوض من نتاج الغرب ، وربما تواضعوا على حل نظري وهو أن نستقدم التقنية وما ينفعنا ، ونرفض الأخلاق والأفكار ، ولم يطبق هذا الحل ولا نعرف كيف يطبق وكان التوصل إليه تصوريًا لم يخضع لدراسة جادة .
وقد تزامن مع هذا أيضًا أطروحات النهضة والمحاولة للعودة بالأمة لأمجادها الغابرة ، حينما أدرك المسلمون أنهم في ذيل الأمم ، وقد سبقتهم سبقًا كبيرًا على كافة الأصعدة ، فكثرت أطروحات النهضة وتنوعت بتنوع المشارب ، وكل يدلي بدلوه ويرى أن ما قدم هو الحل الأمثل لانتشال الأمة من هذا الواقع المؤلم ، وكانت الحلول تبنى على تشخيص الداء ، وهو (سبب التخلف) .
والجميع مازال يطرق عقله وفكره السؤال الخالد الذي لم يحد إجابة جادة عليه:"لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم ؟"فالتشخيصات كانت نظرية وأقرب وعلاجاتها كانت نظرية أيضًا وأقرب للخيال ، وقد اختلفت بينها اختلافًا كبيرًا وبل وتصادمت ، ولا نزال نعاني إلى يومنا هذا من اختلافها وتصادمها وتكرر الأخطاء نفسها .
فالكواكبي على سبيل المثال شخص داء الأمة في الإستبداد ، والنتيجة أن دوائها في مقاومة الإستبداد بكافة أشكاله .
والشيخ محمد عبده يشخصه في سوء فهم الدين وسوء التعامل معه من قبل حملته ، فنادى بما يسمى بالإصلاح الديني وأصبح مشروعه الأكبر بعدما تخلى عن المشروع السياسي الذي كان متابعًا فيه لشيخه الأفغاني ولعن السياسة ومشتقاتها ، ونادى بالإصلاح الديني في جوانب شتى ، فنادى بإصلاح الأزهر ، وإصلاح المناهج الدينية وطريقة التعليم الديني ، ودعا لنبذ التفكير وحارب الخرافة التي تغلغلت في عقول الناس وحياتهم ولبست لبوسًا دينيًا ، وبطبيعة الحال اصطدم مع أصحاب الاتجاهات التي نادى بإصلاحها ووجد مؤيدين من طوائف وأفكار مختلفة تدثروا بعباءته الواسعة الفضفاضة.