ولما توفي ظهرت انقساماتهم وضرب كل في واد ، والرجل من أكثر الشخصيات التي اختلف الناس حولها بين مؤيد مطلق له ولكل ما يقول ، وبين نابذ له ولجميع ما يقول ، وهذا إجحاف كبير ، فالرجل يؤخذ من كلامه ويرد ، وله أطروحات وأفكار جيدة ، كما أن له سقطات مريعة ، وكيثرًا ما يصدم النابذون له بمقولات له تتوافق مع فكرهم ، والعكس كذلك.
والموقف العدل أن تدرس تجربته كاملة وافية يؤخذ فيها الاعتبار بالظروف التي عايشها وطبيعة زمانه ومصادر الثقافة فيه ، والعوامل الداخلية والخارجية التي أثرت فيه ، ثم تدرس تطورات مدرسته ومنهجه وتأثيره فيمن خلفه ، ولا يؤخذ الرجل جملة أو يترك جملة .
وتزداد أهمية دراسة محمد عبده في هذا الوقت بالذات ، لأن الدعوة للإصلاح الديني عادت جذعه ونخشى أن نكرر نفس الأخطاء التي من ضمنها أن يكون الإصلاح استجابة لضغوط خارجية وليست حاجة داخلية ، فمشكلتنا بل مشكلاتنا ليست مع فهم الدين وتطبيقه فهو مَقْصي من حياتنا إلا في القليل .
إضافةً مثل هذه الدعوة وأمثالها يدخلها من ليس من أهلها وفي قلبه دغل على الدين وأهله ، فيشطح بها بعيدًا . وربما دعا لإصلاح حتى اليقينيات .
ونعرّج بعد ذلك على الدعوة التي اشتهرت باسم التقريب بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ، حيث رأت زمرة أن السيطرة الواسعة للغرب في كافة الجوانب السياسية و الاقتصادية والثقافية ، إضافة للقوة العسكرية الضاربة والتقدم التقني المذهل ، ثم سمعوا عن الادعاءات التي أطلقها مفكرون غربيون عن التسامح وقبول الرأي الآخر والبحث عما يسعد الإنسان أيًا كان مصدره ، وجعل العقل هو الحكم في جميع القضايا الخلافية فتوهموا أن الغرب لو اقتنع بفكرتنا وأطروحاتنا الإسلامية فسوف يدخلون في دين الله أفواجًا ، وتصبح قواهم العسكرية والاقتصادية وغيرها في خدمة الإسلام ، بل إن الناس سيدخلون في الإسلام تبعًا للغرب فهم بطبيعة وضعهم تبع لهم في كل شيء ، ولكن وقف في سبيل تطبيق هذا المشروع عقبات وأسوار وخنادق ، فهم رأوا أنهم لو قدموا لهم الإسلام بوضعه الصحيح بيقينياته وأحكامه فسوف يرفضون لكن إن مارسوا عليه بعض عمليات التجميل - أقصد التشويه - فحذفوا وغيروا وبدلوا كل ما يتعارض مع الفكرة الغربية وقدموا لهم الفكرة الإسلامية من الجانب الذي يحبونه فسوف يقتنعون بالإسلام شيئًا فشيئًا .
والنتيجة تتلخص في عبارة قيلت في بعضهم:"قرب الأزهر إلى الغرب خطوات ولم يقرب الغرب إلى الأزهر خطوة واحدة"، لقد وقع الضيم والظلم مع الأسف على الإسلام وحده ، فنفوا بعض اليقينيات ، وحذفوا كثيرًا من الأحكام وانتفوا من أقوال العلماء مالا يتعارض مع الفكرة الغربية حتى لو عارض الدليل ، ومما قاله أحدهم:"لا مانع من الأخذ بالقول بجواز أن تلي المرأة تزويج نفسها طالما أن يتعارض مع الفكرة الغربية"، وبعض الشخصيات الفلسفية الغربية التي أظهرت ميلًا للإسلام إنما كان في الغالب قناعة فلسفية ، فهو يرى مثلًا أن النظرية الاقتصادية الإسلامية أفضل من غيرها في استثمار الأموال ، أو يميل إليه من زاوية سياسية أو اجتماعية لكنه لم يقتنع به كدين ويسلم وجهه لله كما ينبغي ، ولذلك إذا سمعت أطروحاته وجدها تتنافى كثيرًا مع الإسلام .
والآن الدعوة تعود من جديد في ظل الهجوم الغربي البربري على الإسلام واتهامه بأنه مصدر التطرف والإرهاب . ويقول أصحاب هذه الدعوة لماذا لا ينصب خطابنا على المفكرين الأحرار في الغرب ؟ دون المتعصبين منهم وأصحاب القرار السياسي ، أما التجربة السابقة فلنا غنمها وعليهم غرمها وخطابنا معهم لن يؤثر سلبًا على ديننا ، وهذا ما نتمناه إن أمكن تحقيقه ، لكن لابد من وعي التجربة قبل الإقدام عليها ، ولسنا أفضل ممن سبق ، والسالك في طريق لابد أن يصيبه ما أصاب من سلك قبله ، وهذا سنة تاريخية ، فمن كان في بداية الطريق فالخيار كاملًا في يده ليسلك أو يتنحى ، أما إذا ركب متن الطريق لابد أن يفرض عليه جميع نظام ذلك الطريق ويسير بنفس الطريقة التي يسير بها البقية فهو لا يتميز عن غيره وربما تكون التنازلات بداية طفيفة لكنها تزيد كلما توغل في الطريقة ، ولا أدعو إلى ترك هذا السبيل مطلقا ولكن أكرر لابد من وعي التجربة كاملة ، ثم الوعي بطبيعة وعقلية مفكري الغرب وكيفية مخاطبتهم .
وإذا انتقلنا لتجربة الجماعات الإسلامية - والحديث ذو شجون - وبدءًا بجماعة الإخوان المسلمين أو الجماعة الأم كما يحلو لأتباعها أن يطلقوا علهيا وما تفرع عنها من جماعات أو نشأت مستقلة عنها ، فدراسة ظروف نشأتها ومسارها ومبادئها والتغيرات التي طرأت عليها ، وثباتها على مبادئها الأولى أو انحرافها عنها ، وجدوى العمل تحت ظلالها أو الاستقلال عنها، وأثرها في تنظيم العمل الإسلامي وبعض المساوئ المرافقة مثل العصبية للجماعة والنبذ والإقصاء لكل من خالفها ولم يستظل بظلها .