وكذلك بالنسبة للملحمة فإني رفضت رفضًا كاملًا الملحمة الوثنيّة الموروثة عن اليونان وغيرها، وبيّنت العناصر التي تقوم عليها تلك الملاحم من وثنيّة واضحة كلّ الوضوح وأساطير وفتنة ممتدّة. وعرضت نظرية جديدة للملحمة في الأدب الملتزم بالإسلام وشرحتها، ثمَّ قدّمت نماذج تطبيقية على ذلك تؤكد عناصر الجمال الفني المطلوبة في الأدب كما أومن بها، إلا أنه ما زال بعض أدبائنا يتمسكون بمفهوم الملحمة الوثني، ولا سيّما من حيث الطول، فكأن الملحمة ملحمة بطولها وعرضها وليس بمحتواها. إنهم يصرّون هنا على الشكل، وهم الذي يريدون أن نترك القديم كلّه لنجدد ونطوّر على أن يكون ذلك في أدبنا نحن المسلمين، في ديننا ولغتنا، فإذا تعلّق الموضوع بالوثنيّة اليونانيّة أو غيرها تمسكوا بالقديم شكلًا ومضمونًا، وسقط في هذه الفتنة المكشوفة عدد من المسلمين وأدبائهم.
يريدون التطوير والتحديث والنموّ فإذا قدّمنا النظرية الإيمانية للجمال تململوا، وإذا قدمنا نظرية جديدة في النقد والأدب والملحمة والأسلوب ثاروا وضجوا وقالوا لِمَ التجديد ؟! التجديد والنموّ عندهم هو التجديد العلماني.
وحين تخضع الملامح التي قدمتها إلى قواعد الجمال الحقيقية فسنجدها إن شاء الله غنيّة بكلّ معاني الجمال الفني بكل المعايير إلا معايير الحداثة والبنيوية والتفكيكية وأمثالها. وربما كانت غنيّة بالجمال حتى في معاييرهم، حين يحسون بإشراقة الجمال ويدركون منابعه الغنيّة، ولكنهم يخفون الحقّ الذي يدركونه، كبرًا وفتنة.
* الحداثة في منظورك الإيماني ماذا تمثّل ؟!
لقد أجبت على ذلك بالتفصيل في ثلاثة كتب موردًا النصوص ثم الحجّة القاطعة من الكتاب والسنة حتى أُسقط في يد الحداثيين، وهرع بعض المؤمنين ليصوروا بعض الصفحات ويوزعوها في مرحلة كانت المعركة حامية الوطيس. وتناولت بعض الصحف هذه الكتب، وكذلك بعض الأدباء، بالتقدير الكريم.
وأوجز رأيي بصورة حاسمة فاصلة: إنَّ الحداثة بجميع مذاهبها تقوم على فكر خارج عن الإسلام محارب له، يصُدُّ عن سبيل الله، وقد حاول بعض الأدباء المسلمين أن يوجدوا ما أسموه"حداثة إسلامية"فردّ الحداثيّون أنفسهم عليهم:"الحداثة حداثة لا علاقة لها بالدين، تؤخذ كلّها كما هي أو تترك كلّها".
وأعود وأقول: إن الحداثة ومذاهبها فتنة انسلّت إلى أقدام بعض المسلمين وقلوبهم وصبّت في عروقهم الخدر حتى لم يعودوا يشعرون بهول الجريمة التي ترتكبها الحداثة في واقع المسلمين اليوم.
والحداثة امتدّت في واقعنا إلى جميع الميادين:
الفكرية، الأدبية، السياسية، الاقتصادية، الخلقية، الاجتماعية، ولا ننكر أنها أثرت في واقعنا لسببين:
أولًا: ضعف المسلمين وجهل عدد غير قليل من الأدباء بالإسلام، حتى إنَّ بعضهم لا يكاد يفتح كتاب الله مرة في الأسبوع أو الشهر أو أكثر. والذين يعون إسلامهم زيّن لبعضهم الشيطان تلك الحداثة فسقطوا فيها.
ثانيًا: الغزو الجامع الشامل لبلادنا: عسكريًّا وفكريًّا وإعلاميًّا وأدبيًّا. تفاعل السّببان معًا: فكان التأثير بكلّ أسف مؤذيًا وقويًّا. وما زالت الحداثة وأشكالها تلقى الدعم والتأييد من بعض المسلمين ومن المستويات المختلفة والقوى الظاهرة والباطنة.
الحداثة صورة من صور العلمانية، تحمل نهجًا يمضي على مراحل لتحقيق أهدافها، مع كلّ مرحلة تحمل زخرفًا يسقط في فتنته بعض المسلمين، والحداثة حين تتمثل في الأدب تجعل له فكرًا يتردد هنا وهناك بأسلوب ماكر لا ننكر براعته، يوقع في حبائله بعض المسلمين، وذلك على مراحل لمحاربة اللغة العربية خطوة خطوة كأسلوب الشيطان حين يستدرج ابن آدم. وحين يصيبوا هدفين في وقت واحد، أخذوا بنشر الشعر الذي يسمونه حرًا، منثورًا أو بالتفعيلة، ويقول بعضهم إذا أخذ المسلمون بشعر التفعيلة يمكن أن نهزّ إيمانهم بالقرآن لنبيّن لهم أنه شعر كذلك. فشعر التفعيلة أخطر على اللغة العربية وعلى الإيمان من المنثور، وكلاهما خطر!
الحداثة في منظور إيماني تمثّل خطرًا حقيقيًا على الفكر واللغة، يجب دفعه مهما اتخذ من وسائل الزخرف والفتنة والإغراء، وهذا واجب على كلّ مسلم.
ومن المؤسف أنه مهما اختلفت وجهات نظر الحداثيين ومذاهبهم، فإنهم صف واحد أمام المسلمين ودينهم وأدبهم ولغتهم يدعم بعضهم بعضًا، لا يعطّل ذلك عصبيّات جاهليّة، ولكن المسلمين يُضعف جهدهم تمزّقهم وغلبة بعض العصبيّات الجاهلية والأهواء الفرديّة