فهرس الكتاب

الصفحة 13654 من 27345

وأصبح الولاء للشعار نفسه ولاءً بعيدًا عن محتوى الشعار ومتطلباته. فلا عجب إذن إذا شهدنا تمزّق العمل الإسلامي وتفتّته في تكتلات تظل تنقسم وتتزايد وتتوالد، بدلًا من أن تقلَّ وتضمر! من خلال ذلك سهل على الضُّعفاء والمنافقين أن يتسلَّلوا إلى داخل الساحة الإسلامية، يحميهم الشعار والعصبيات الجاهليّة. سَهُل ذلك كله ولكن صعب التمييز بين حالة وحالة. وأصبح العمل الإسلامي يحرص على كسب الأنصار والمؤيّدين، وعلى التنافس في ذلك، أكثر من الحرص على البناء والإعداد والتدريب. وأخذت الأخطاء تتزايد، والانحراف لدى هذا وذاك ينمو، دون أن يجد النصيحة الصادقة والتوجيه الحازم، والمعالجة الأَمينة.

لقد تسلل إلى صفوف المؤمنين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، أوحى الله بأسمائهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين للصحابة إِلا لحذيفة بن اليمان، ولكن وضع بين أيديهم ميزانًا واحدًا دقيقًا تعلّموه في مدرسة النبوة الخاتمة، يُنزِلون به كل إنسان منزلته الأمينة، ميزانًا يحكم على الكلمة والموقف والعمل، لا بالظن ولكن بالتبيّن:

( ولو شئنا لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم )

[ محمد: 30 ]

ولكننا نخشى اليوم أن يكون الميزان قد تعدّد أو تعطل، فسهل على بعضهم أن يخترق صف المؤمنين، وأن يطرح من الشعارات ما يشاء، ولو حملت الانحراف في زخرف وزينة تجذب بعض النفوس، وتختلط مع شعارات الإسلام ومصطلحاته، حتى تتيه المعاني والأفكار. فزاد ذلك من اضطراب معنى الولاء ومعنى أخوة الإيمان، وزاد من تمزّق صفوف المسلمين.

غلب مصطلح"المنهج الوطني"والمصلحة الوطنية، والمصلحة القومية والإقليمية، والأخوة القومية والوطنية والإقليمية والإنسانية في أجواءٍ تمزّقت فيها أخوّة الإيمان، وما حرص بعضهم على الدعوة إليها كما حرصوا على الدعوة إلى تلك. فظهرت صور متعدّده من العصبيات الجاهليّة حتى غُرِست في النفوس، وحملها النثر والشعر والأدب، وتغنّت بها المحافل والأندية.

وأصبح بعض المسلمين حرصون على لقاء غير المسلم والدعوة إِلى التعاون معه، وخفض الجناح له، والحوار معه، دون الالتفات إلى حقوق المسلم ووجوب اللقاء معه والتعاون معه والحوار معه، إلا بمقدار ما توفّره المجاملات واللحظات الآنيّة. مع غير المسلم لين وخفض جناح، ومع المسلم صراع وشقاق!

لو أخذنا جهود قرن أو قرنين من العمل الإسلامي، فهل استطاعت تلك الجهود أن تحقق جوهر أخوة الإيمان، حقوقًا وواجبات، وعاطفة ومسؤوليات، بين المسلمين في واقعنا اليوم ؟! هل استطاعت تلك الجهود أن تبني أخوّة تقاوم عوامل التمزّق، أخوةً تتحقق بين جميع المسلمين، يفهمها الجميع ويؤمنون بها ويوفون حقوقها ومسؤولياتها ؟! وهنا نتساءل على أيّ أخوّة كانت تُربّى الأجيال المسلمة المتصارعة، وما هو الغذاء الذي تلقّته وما هو التدريب الذي نالته ؟! وهل تحقّق الولاء الحق لله فكرًا وتصورًا وممارسة ؟!

بين الشعار والنهج

إنَّ أَعظم شعار نرفعه هو"الكتاب والسنة". الجميع يرفعونه، بل من يجرؤ على إنكاره علانية أو محاربته جهارًا ؟! كلُّهم يجمعون عليه، ولكن هل التقوا عليه كما التقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد النبوة الخاتمة والخلافة الراشدة ؟! العهد الذي أُمرنا أن نعضّ عليه بالنواجذ تمسّكًا وممارسة ؟! لعل هذا الشعار العظيم لم يتحوّل في واقع بعض المسلمين إِلى نهج وممارسة، إلى نهج يظل ينمو مع الممارسة في هداية منهاج الله ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ. أين الخلل ؟!

قامت"الصحوة الإسلامية"وضج الناس بشعارها، فما وجدت إلا الحماسة العاطفية والتصفيق، ولم تجد النصح والتوجيه، حتى وقعت أشدّ الهزائم مرارة تحت شعار"الصحوة الإسلامية"! وأَيُّ نصح كان يُرتجى غاب وطُوي بين هدير الحناجر وتصفيق الأكف ودويّ الشعار ! واختفت العيوب والأخطاء والخلل في طيّات الشعار.

كان يجب أن تكون"الصحوة الإسلامية"نهجًا محدَّد المعالم والأُسس أكثر منها شعارًا. كان يجب أن تكون"الوسطية"نهجًا محدد المعالم بدلًا من أن تكون شعارًا رأى فيه الناس مسلسل التنازلات في ميدان الفكر والسياسة بصورة أو بأخرى!

لسنا بحاجة إلى شعار"الوسطية"ولكننا بحاجة إِلى نهجها و فهمها من خلال الكتاب والسنة والواقع. نحن بحاجة إلى أن نفهمها من خلال عمليّة البناء والتدريب والإعداد، من خلال تدبُّر منهاج الله تدبُّرًا منهجيًّا، دون الحاجة إِلى شعار الوسطية والاعتدال الذي أخذ ينادي به نيكسون (3) ، وأمريكا، وغيرهم. نحن بحاجة إلى تعلُّم منهج"الوسطية"من الكتاب والسنّة حتى لا يولّد الشعارُ مفهومًا للتنازل، وحتى لا يولّد شعارًا مضادًّا هو التطرُّف والمغالاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت