فهرس الكتاب

الصفحة 14314 من 27345

ولقد حدد الله للبشر جميعًا الدين الذي ارتضاه ، وأوجب عليهم الدخول فيه بصدق وإخلاص وهو الإسلام فقال عز وجل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ? [البقرة:208] . إنه أمر صريح من الله عز وجل لعباده بأن يدخلوا في الإسلام دخولًا كاملًا شاملًا، بحيث لا يجوز لهم ولا ينبغي أن يتخيروا بين شرائعه وأحكامه، فما وافق مصالحهم وأهواءهم قبلوه وعملوا به، وما لم يوافق أهوائهم وسياستهم ردوه أو تركوه وأهملوه كما هو حاصل ومشاهد اليوم في عالمنا الإسلامي الذي يعيش انفصامًا نكدًا بين ما يريده الله عز وجل وبين ما يريده الطواغيت من البشر ?... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...? [البقرة:85] .

فهناك من يريد الإسلام انتسابًا فقط ويعطل أحكامه وفرائضه، وهناك من يجعل الإسلام دينًا شخصيًا فحسب بمعنى أن يؤمن الإنسان بقلبه ويدع مالقيصر لقيصر، ليترك الظلم والفساد وليدع الناس وشأنهم يعربدون ويفجرون، وينتهكون الحرمات والحرام، هذا خلاف ما يريده الله عز وجل .

وهناك من يأخذ من الإسلام ما يتعلق بالأحوال الشخصية فقط مثل الزواج والطلاق والميراث فحسب، ويرفض الباقي وهذا خلاف دين الله الذي ارتضاه ورضيه لنا .

وهناك من يطبق بعض الحدود فقط وينتقي منها ما يثبت به رغباته ومصالحه، ويترك الحدود كلها وهذا خلاف دين الله الذي ارتضاه ورضيه لنا . في بلاد الإسلام اليوم من يريد أن يسلخ الأمة من دينها فيفسد التعليم والإعلام ويغيب عن أجيال الأمة معاني الإيمان والقرآن ثم يتشدقون بعد ذلك بالإسلام.

وهناك من يأخذ من الإسلام الصلاة ويلغي الزكاة والحدود والأحكام، في بلاد المسلمين اليوم من يبيح المحرمات والفواحش وينظمها بالقوانين واللوائح فالربا يمارس جهارًا نهارًا وقد علمتم ما قال الله في الربا والمتعاملين به، والخمرة وهي أم الخبائث تصنع وتصدر وتشرب ويتاجر بها، وبعض الدول تأخذ عليها الضرائب وتمنحها التصاريح ثم نزعم بعد ذلك بأنها مسلمة، وكذا الزنا واللواط له محلاته ورواده في كثير من البلاد التي تنتسب إلى الإسلام.

في بلاد الإسلام اليوم من يعطل فرائض الله ويلغي أحكامه ففريضة الجهاد قد اختفت ولم يعد لها وجود .. كيف ألغيت؟ من وراء إزاحتها وإلغائها؟ ثم لماذا تلغى؟

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ألغي هو الآخر من حياتنا وترك للمنكر والفساد أن ينتشر ويتفشى ، ويحميه مع ذلك الدستور والقانون في كثير من البلدان ثم يزعمون بأنهم مؤمنون مسلمون.

في بلاد الإسلام فئات تطالب بمحاربة الحشمة والحجاب وتدعوا إلى التعري والاختلاط والتبرج والسفور والله تعالى يقول لنساء النبي ونساء المسلمين: ? يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ... ? [الأحزاب:32] وقال: ? وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ? [ الأحزاب:33] .

أيها المؤمنون إن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لنا فهو دين ودولة كما رسمه الله لأنبيائه عمومًا، ولخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - خصوصًا، وكما سار عليه في حياته، وسار عليه خلفاؤه من بعده، لأن معنى الدين مشتق من الإدانة، التي هي الحكم والإخضاع، فمعنى (دان يدين) أي خضع بالطاعة والولاء والانقياد لأوامر الشريعة ونواهيها ، فمبدأ الإسلام الذي بينه ونفذه محمد - صلى الله عليه وسلم - بجميع معانيه وأنظمته ومفاهيمه التشريعية والتعبدية ، يجب على المسلمين جميعا أن يدينوا بها، رضًا منهم بما ارتضاه لهم ربهم بقوله: ?... وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ...? [المائدة:3] ، دون اقتصار على شيء دون شيء ، فإن المقتصر على بعضها فقط، يكون غير راض بما رضيه الله له وغير راض بإتمام النعمة من الله بدينه الإسلام، الذي يجب أن يؤخذ كله ويعمل به كله دون تفريق ولا تشطير، فمن عمل ببعضه دون بعض يكون مؤمنًا بالبعض وكافرًا بالبعض الآخر، فقد حكم الله على بني إسرائيل من قبلنا بالكفر حيث ساروا على هذا المنهج والمنوال في الأخذ بالبعض وترك البعض الآخر، وتوعدهم الله على ذلك بعذاب الخزي في الدارين كما قال تعالى: ?... َفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ? [البقرة:85] .

ولقد صدق وعيد الله إذ أصاب المسلمين بخزي كبير وذلة مرذولة جزاء تركهم لفرائض الله وأحكامه ، فكانوا في هذا الواقع المرير والصورة الأليمة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم ولن يرفع ما حل بالأمة إلا بالرجوع وأخذ الإسلام جملة والدخول فيه .

الخطبة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت