ولهذا نرى أنه في القرآن وفي سنة النبي صَلَّى الله عليه وسلم ذُكر هذا اللفظ (الدعوة إلى الله) ومعنى ذلك الدعوة إلى دين الله جل وعلا كاملا تاما، وطلب الناس أن يسيروا إلى الله جل وعلا بطاعة أمره واجتناب نهيه وتحقيق الإخلاص له جل وعلا، دعاهم إلى أن يفروا إلى الله جل وعلا {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات:50] ، وهذا في الحقيقة تحقيق للغرض من النجاة من الابتلاء؛ لأن الناس ابتلوا بهذه الحياة، ومن ينجو في هذا الابتلاء؟ هو من يطيع الله جل وعلا ويطيع رسوله صَلَّى الله عليه وسلم، يطيعهم بتصديق الأخبار الغيبية وامتثال الأوامر الشرعية والانتهاء عن المناهي، فمن صدَّق بالخبر وأطاع الأمر وانتهى عن النهي فقد أجاب الله جل وعلا بدعوته، ومن خلط بين هذا وهذا فقد خلط، ومن دعا إلى تصديق الأخبار وهي العقيدة وبامتثال الأمر واجتناب النهي فقد دعا إلى الله جل وعلا.
فإذن حقيقة الدعوة إلى الله هي طلب الداعي أن يمتثل الناس ما أمر الله جل وعلا به، أو أن يصدقوا ويؤمنوا ما أخبر الله جل وعلا به، فهذه هي حقيقة الدعوة، ولهذا نرى أنَّ الدعوة تكون في جميع أمور الدين ليست الدعوة في باب دون باب، أي إلى الإسلام كافة، قال سبحانه {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف:108] , وقال {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب:46] ، وقال جل وعلا {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد:7] , وقال جل وعلا {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلىَ النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر:41] ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقِيلَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) [رواه البخاري ومسلم]
وهذا وغيره يدل على أن الدعوة إلى الله معناها الدعوة إلى عموم الدين، فحينئذ:
من دعا إلى العقيدة وإلى إخلاص الدين لله وإلى توحيد الله جل وعلا والبراءة من الشرك والبعد عن مظاهره وعن موبقاته فقد دعا إلى الله جل وعلا.
من رد الشبهات في التوحيد والعقيدة فقد دعا إلى الله جل وعلا.
من دعا إلى امتثال الفرائض والإتيان بها"الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين والصدق في الحديث وأداء الأمانة وإيفاء الوعد وصدق العهد ونحو ذلك"فقد دعا إلى الله جل وعلا.
ومن دعا إلى إصلاح الباطن بإصلاح السريرة والخوف من الجليل جل وعلا، وإصلاح أعمال القلوب بإقامة القلب على حب الله جل وعلا وحسن التوكل عليه والإنابة إليه والإقبال عليه والأنس به جل وعلا والهرب من غيره إليه فقد دعا إلى الله جل وعلا.
ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد دعا.
ومن جاهد في سبيل الله فقد دعا.
وهذا يعني أن الدعوة إلى الله جل وعلا غير مختصة بباب دون باب.
فباب الدعوة إلى الله باب واسع كل مسلم قادر على أن يدخل منه.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) [رواه البخاري ومسلم]