فهرس الكتاب

الصفحة 16742 من 27345

كل تفكير بشري مبتوت الصلة مقطوع السبب بهداية السماء فهو بلا أدنى نقاش تعبير عن مصلحة ما لجهة ما، هذا شيء مقطوع به وقد فرغ فقهاء السياسة منذ القديم من تقرير هذه المسألة، ومعضلة المجتمعات البشرية كيف يمكن أن تخطط وأن تنظم بحيث تضمن لكل إنسان كل ما يحتاج إليه على الصعيد المادي أو على الصعيد المعنوي، منذ بدأ الإنسان يفكر وهو يواجه هذه المشكلة بكل عنفها، وبكل حدتها ومن أسف ما استطاعت الإنسانية أن تصل حتى الآن إلى حل لهذه المشكلة لسبب بسيط وهو -هذا الذي قلناه لكم- كل تفكير بشري وكل تنجيز بشري فإنما هو تعبير عن مصلحة طائفة من الناس وهو بحكم تكوينه عاجز عن أن يلبي مصالح طوائف الناس جميعًا.

من هنا وجدنا التفكير البشري قاصرًا من حيث قدرته على الشمول فهل فهمت ما أعني؟ هذه واحدة صفوها على جنب، شيء آخر أنا إنسان وأنت إنسان والآخر إنسان والآخر إنسان... حينما أتصدر وأدعي لنفسي الحق في وضع التشريعات والمناهج والنظم للمجتمع وللناس فادعائي ليس له من المبررات أكثر من المبررات التي تحملها أنت؛ نحن جميعًا باعتبارنا بشرًا كل واحد منا مبرر من قبل نفسه على ذات الهيئة وبنفس الدرجة وبنفس الشدة التي يبررها الآخر والآخر والآخر، ما عندي من المبررات والمسوغات أكثر مما عندك، كلنا نقف على صعيد مشترك في هذا الباب فادعاء أحد المخلوقين أو ادعاء طائفة من الناس الحق في أن تشرع وتنهج وتنظم للناس؛ ادعاء له ما يُرَدُّ عليه بنفس القوة، وبنفس المسوغ، ومعلوم في قضية العقل أن المبررات وأن الحجج إذا تكافأت تهاترت، يعني تساقطت، حينما تكون حجتي مساوية لحجتك فالمنطق وبديهة العقل يقضيان بسقوط حجتي وسقوط حجتك جميعا،ً لا بد أن يكون في أحد الطرفين ما يرجحه على الآخر.

أما من حيث المجهود البشري فالناس كلهم أسواء، لا يمتاز أحد عن أحد من حيث الطاقة العقلية والقدرة على استشفاف الحاجات القريبة، من هنا كان دفاع المكذبين عن معتقداتهم وعن عاداتهم دفاعًا عن شيء قاصر لا يمكن أن ينتج ولا يمكن أن يوصل إلى لون من ألوان الاستقرار حينما توضع القضية بهذا الشكل، وأظن أنني صورتها على نحو بسيط مع علمي بمدى تعقيد هذه المسألة.

أظن حينما نستحضر المسألة بهذا الشكل، ونضع الإسلام بحقائقه وباستحضارنا لمصدره نجد أن الوفاق بين الإسلام وبين أي منهج أرضي وبشري أمر مستحيل، ولنفترض جدلًا أن وفاقًا ما حصل بين مبادئ الإسلام وبين منهج ما من المناهج البشرية فلا شك أن النتيجة المقررة التي لا جدال حولها ولا نقاش فيها أن الطرف الخاسر في هذا الوفاق هو طرف الإسلام، ارجعوا بأذهانكم إلى تاريخ اليهودية والنصرانية وهما الديانتان اللتان سبقتا هذا الإسلام، وجدتا نفسيهما في لحظة زمنية معينة مضطرتين ومرغمتين على مسايرة التيارات الجارفة من حولهما؛ بل وجد تجارهما والمتحدثون باسمهما أن مصالحهم ستدمر إذا لم يضعوا أيديهم في أيدي السلطات الحاكمة من الرومان وأشباه الرومان؛ من الذي استفاد..؟ واستفاد الرومان واستفاد المنهج البشر وخسرت اليهودية وخسرت المسيحية.

لم يبق في يد اليهود من اليهودية الأولى إلا حفنة خرافات، ولم يبق من النصرانية في يد النصارى إلا حفنة خرافات، وإلا رواسب من رواسب الوثنية، وازدهرت الدولة الرومانية على أنقاض المسيحية المهدمة وعلى أنقاض اليهودية المهدمة أيضًا، وتسلسل هذا الازدهار...

ودول أوربا وأمريكا وسائر الدول الأخرى تنعم الآن بالخير والازدهار على أشلاء الديانات السابقة فلا مجال لأي وفاق؛ وليعذرنا هؤلاء الذين يتهموننا بالتصلب؛ الأمر ليس بأيدينا ونحن لا نستطيع أن نعطي من الإسلام شيئًا، ولو أردنا أن نعطي من الإسلام حرفًا واحدًا لتجار الدنيا وأبناء الدنيا لبقي الإسلام سليمًا هناك ونُبذْنا نحن مع الكلاب وأشباه الكلاب...

هذا الإسلام لا يمكن أن يقبل الاشتراك، ومن هنا كان تأكيد الله جل وعلا على محمد صلوات الله عليه من بداية الطريق بقوله له: لك طريق ولهم طريق، ولا تطعهم ولا تلتفت إليهم؛ منذ متى؟.. منذ البداية منذ أول حرف نزل في القرآن ماذا قال الله قال في أول حرف:

(اقرأ باسم ربك الذي خلق) .

هنا وُضعت نقطة الافتراق بين الإسلام وبين كل ما شهدته الدنيا.

في الإسلام كل شيء باسم الله وعلى رضوان الله ووفقًا لمنهج الله.

وفي الدنيا كل شيء خادم لشهوات النفوس وأغراضها وأطماعها.

ومع المسيرة. مع التحرك الإسلامي العظيم تزداد زاوية الانفراج لكي لا تُبقي أي مجال للالتقاء بين هذا الإسلام بطهره وبنقائه وبعدله وباستقامته وبأخلاقياته الرائعة، وبين أبناء الدنيا الذين يتمرغون في أوحالها وفي آثامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت