فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعلى النقيض من ذلك نجده في الإيجابية والشخص الإيجابي، فالإيجابية صفة يأمرنا بها الدين ويحضنا عليها، فالعمل الإيجابي يعود على المجتمع بالخير. ولأن مصطلح الإيجابية جديد على الساحة نوعًا ما فإن الاطمئنان إلى تأصيله الشرعي واللغوي يصبح ضرورة حتى لا يفاجأ الواحد منا بواحد من المتحذلقين يقف له في مجلس من مجالس أو مناسبة من المناسبات يطالبه بهذا التأصيل أو ينكر عليه استعمال هذه الكلمة بحجة غرابتها أو عدم صحتها في القاموس العربي. فالإيجاب في اللغة هو الموافقة والقبول، وهو يقابل السلب والنفي، ومادة الفعل"وجب"ومضارعه"يجيب"من قوله تعالى (أَمَّنْ يُّجِيْبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه) سورة النمل آية 62. والأمر منه أجب ، ومنه قوله تعالى (يَا قَوْمَنَا أَجِيْبُوا دَاعِيَ اللهِ) سورة الأحقاف آية 31 ومنه اسم الله تعالى (المُجِيْبُ) وجاوب الرجل أخاه إذا طاوعه ووافقه. ومصدر الفعل الإيجاب والمجاوبة. أما عن الأصل الشرعي للإيجابية فإننا لا نبالغ إذا قلنا: إن الإيجابية هي الحياة أوهي الدين كله. فالدين لم يقع في الأرض على السلبية والخمول والتقاعس والكسل، وإنما قام من أول لحظة على الإيجابية منذ أن خاطب الله نبيه بقوله (يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ) سورة المدثر آية 1-2 وخاطبه من قبل ذلك بقوله (يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيْلًا) سورة المزمل آية 1-2 وعلم نبيه كيف يدعو الناس إلى الله بقوله (يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اِسْتَجِيْبُوا للهِ وَلِلرَّسُوْلِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيْيْكُمْ) سورة الأنفال آية 24 وقوله سبحانه (اِسْتَجِيْبُوْا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَه مِنَ اللهِ مَالَكُمْ مِنْ مَّلْجَأٍ يَّوْمَئِذٍ وَّمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيْرٍ) سورة الشورى آية 47 ولو ذهبنا نستقصي ما ورد في القرآن الكريم دالًا على الإيجابية والمسارعة إلى الخيرات، لأعيانا الحصر، لأن هذا الأمر هو الأساس في دعوة الرسل جميعًا، وهذا يعني أن الإيجابية ليست دعوة إلى شيء مفقود لنوجده، إنما هي دعوة إلى الموجود من أوامر الدين، لنفعله ونعيشه ونحققه، وهي ما يعني من جانب آخر أن هؤلاء المدعوين إلى الحركة، ساكنون بغير داع إلى السكون، وخاملون بغير مبرر للخمول، وخامدون بينما الناس في الدنيا كلهم يتحركون. فالإسلام يغرس في نفس كل مسلم روح الإيجابية التي تعني علو الهمة والاجتهاد ، وينأى به عن السلبية التي تعني التكاسل والقعود عن الازدياد. وقد وجه القرآن الكريم نظر كل مسلم إلى أن يكون إيجابيًا في فعل الخير، بحيث يندفع إليه دون انتظار لمعونة أحد، أو اعتماد على قيام الغير به. يقول الله تعالى (فَقَاتِلْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِيْنَ عَساى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيْلًا) سورة النساء آية 84 فهذه الآية الكريمة تلفت نظرنا إلى أن المسلم ينبغي أن يتصرف على أساس أنه وحده المكلف بالأداء، فلا يعتمد على الغير، بل يؤدي ما عليه من واجب، ويحرض الآخرين عليه أيضًا، فإن استجابوا لدعوته فبه ونعمت، وإلا فلا عذر له في القعود عن نصرة الحق وأداء الواجب. جاء في تفسير القرطبي:"قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وأن يقاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية:"هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجيء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة فالمعنى - والله أعلم - أنه خطاب له في اللفظ وهو مثال ما يُقَال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له، فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك. ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) وقول أبي بكر الصديق وقت الردة:"ولو خالفتني يميني لجاهدتهم بشمالي". وفي إشارة قرآنية أخرى ينفي القرآن الكريم التسوية بين المجاهدين والقاعدين، ما لم يكن ضرر يمنع القاعدين من الجهاد، وفي هذا يقول رب العزة (لاَ يَسْتَوِيْ القَاعِدُوْنَ مِنَ المُؤْمِنِيْنَ غيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِيْنَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلى القَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْناى وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِيْنَ عَلى القَاعِدِيْنَ أَجْرًا عَظِيْمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَّكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيْمًا) سورة النساء آية 95 وبهذا يدفع الإسلام أتباعه إلى الإيجابية قيامًا بالواجب وأداء للفرض من جانب، وطمعًا في الثواب ونيلًا للدرجات من جانب آخر. وفي إشارة قرآنية أخرى يعيب القرآن الكريم على أولئك