وفي حادثة الإفك ربّى الله المؤمنين فيها تربية سامية رفيعة على التثبّت والأناة والتحرّي: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ * لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) . [النور:12-13]
ومن أثر هذا التوجه الرباني سألت أم الدرداء زوجها أبا الدرداء:"أسمعت ما قيل عن عائشة؟"قال:"نعم يا أم الدرداء، وذلك الكذب"ثم قال لها: يا أم الدرداء، أرأيت لو كنت مكان عائشة؛ أكنت تفعلين؟"قالت:"لا"قال:"لو كان أبو الدرداء مكان صفوان؛ هل كان يفعل؟"قالت:"لا"قال:"فصفوان خير مني، وعائشة خير منكِ"."
وللتثبّت أنواع وضروب كثيرة منها:
1-التثبّت في القول على الله عز وجل.
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف:33]
فجعل القول على الله بغير علم قرينًا للشرك بالله؛ لأن من يتكلم في الحرام والحلال والتشريع هو موقّع عن رب العالمين.
2 ـ التثبّت في النقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن كذبًا على رسول الله ليس ككذب على أحد.
وهذا عمر -رضي الله عنه- لا يقبل من أبي موسى حديث الاستئذان إلا ببيّنة ولما قال له أُبيّ بن كعب: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَلاَ تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.
وقال عليّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ -: كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - ..
وفي مقدمة مسلم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل والذي وُضعت له ضوابط وشروط في النقل والرواية قال عنها المستشرقون: إن السنة النبوية توفّر لها من التثبّت في النقل واتصال السند ما لم يتوفر للإنجيل والتوراة.
وصنف السلف الدواوين الكبيرة في الصحيح والحسن والضعيف والموضوع حياطة منهم، وتثبّتًا في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الضرورة التحرّي في تصحيح الأحاديث المرويّة وألاّ يُتساهل في قبولها ونسبتها للرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الأصل عدم النسبة حتى تثبت والأصل براءة ذمة المكلف وعدم الالتزام بهذا النص حتى يصحّ ولا تجوز رواية الضعيف إلا مع بيان ضعفه أو حاله.
3 ـ التثبّت في أقوال أهل العلم فعدم التثبّت في نقل أقوالهم يحدث أخطاء كبيرة وفسادًا عريضًا.
4 ـ التثبّت في نقل أقوال الناس.
وهذا النوع ينبغي ألاّ يُنقل إلا لحاجة قاضية أو ضرورة ملحّة لكن الفراغ وضعف التربية قد يحمل المرء على القيل والقال تبرّعًا من غير سؤال ولا مصلحة، وقد جاء في الصحيحين عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ) ، وفي رواية (لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) .
وفي مقدمة صحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) . وفيه عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما: (بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) .
ولن يعدم الإنسان المتحري لنفسه من وسائل التثبّت ما يجعله يقطع شكًا بيقين فمن ذلك.
1 ـ الوقوف على ما نُقل إليه بنفسه إن كان ثمة حاجة لذلك أو تجاوز الموضوع ونسيانه إذا لم يكن ثمة حاجة.
2 ـ الاعتماد على الرواة الثقات عندما لا يستطع أن يقف على الأمر بنفسه.
وليس الثقة هنا هو فقط من دلّ مظهره على أنه من الصالحين، بل يعتمد ذلك على أمور أخرى؛ من الفطنة والتعقل والتأني والتجربة والسلامة من الهوى واعتلال المزاج والغرض الشخصي باستهداف شخص أو جماعة من الناس.
وقد قال مالك: أدركت بالمدينة سبعين يُستسقى بهم المطر من السماء لا آخذ عن واحد منهم حديثًا.
وعَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.