فالأصل في المسلم أنه لا يعرفُ بلقبٍ , أو رمزٍ يميّزه عن غيره , سوى الإسلام ، قال تعالى { هُوَ سَمَّاكُمُ المسْلِمِين} [الحج: 78] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"وَلَكِنْ تَسَمَّوْا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ (6 ) ."
قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أقرّ باسم من هذه الأسماء المحدثة ؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (7 ) .
وجاء رجلٌ إلى مالك ، فقال: يا أبا عبد الله ، أسألك عن مسألةٍ أجعلك حجّة فيما بيني وبين الله عزَّ وجل ، قال مالك: ما شاء الله لاقوّة إلاّ بالله ، سل ، قال: مَنْ أهل السنة ؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به ، لا جهمي ، ولا قدري , ولا رافضي (8 ) .
وقال ميمون بن مهران: إيّاكم وكل اسم يسمّى بغير الإسلام (9 ) .
وقال مالك بن مغول: ( إذا تسمّى الرجل بغير الإسلام والسنة , فألحقه بأيّ دين شئت ) (10 ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ..والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك , أن يقول: لا أنا شكيلي , ولا قرفندي ؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله ..- إلى أن قال: .. فلا نعدل عن الأسماء التي سمّانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم ـ وسموها هم وآباؤهم ـ ما أنزل الله بها من سلطان . (11 )
ولكن ما إن ظهرت البدع في الأمة الإسلاميّة ، وتكاثرت الفرق المنتسبة إلى الإسلام بشكلٍ عظيمٍ ؛ حيث الشعارات الزائفة , والدعوات المشبوهة ، واجتهد في الدين من ليس من أهله ، وأُدخل فيه ما ليس منه ، وظهرت نبوءة النبيّ صلى الله عليه وسلم بافتراق الأمة ؛ كان لزامًا على أهل الحقّ ، والمنهج الصحيح , وأصحاب العقيدة الصحيحة ؛ أن تكون لهم سمةٌ يُعرفون بها , في إطار عام لا في قوالب ضيقة كالحزبيات والجماعات التي حكرت الحق عليهم , وعقدوا عليها الحب والبغض , وهذا منا , وهذا ليس منا .
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله (12 ) :
لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها:
أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام , والسلام .
فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك ؛ اطلب العلم ، واطلب العمل ، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.
ولا تكن خراجًا ولاجًا في الجماعات ، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة ، فالإسلام كله لك جادة ومنهجًا ، والمسلمون جميعهم هم الجماعة ، وإن يد الله مع الجماعة ، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام .
وأعيذك بالله أن تتصدع ، فتكون نهابًا بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.
فكن طالب علم على الجادة ؛ تقفو الأثر ، وتتبع السنن ، تدعو إلى الله على بصيرة ، عارفًا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.
وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم ، والتفريق عن الجماعة ، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي ، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي .
فاحذر رحمك الله أحزابًا , وطوائف طاف طائفها ، ونجم بالشر ناجمها ، فما هي إلا كالميازيب ؛ تجمع الماء كدرًا ، وتفرقه هدرًا ؛ إلا من رحمه ربك , فصار على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .
قال ابن القيم: العلامة الثانية -عند علامة أهل العبودية -قوله: ولم يُنْسَبُوا إلى اسم أي لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس , من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق , وأيضا فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره من الأعمال , فإن هذا آفة في العبودية , وهي عبودية مقيدة , وأما العبودية المطلقة , فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها , فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها ؛ فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم , فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم , ولا بزي , ولا طريق وضعي اصطلاحي , بل إن سُئل عن شيخه , قال: الرسول , وعن طريقه , قال: الإتباع , وعن خرقته قال: لباس التقوى , وعن مذهبه قال: تحكيم السنة , وعن مقصوده ومطلبه , قال: يريدون وجهه , وعن رباطه وعن خانكاه , قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [سورة النور: 36-37] , وعن نسبه قال:
أَبِي الإِسْلَامُ لَا أَبَ لِي سِوَاهُ
إِذَا افْتَخَروا بِقَيْسٍ أَوْ iiتَمِيمِ
وعن مأكله ومشربه ؟! قال: ما لك ولها ! معها حذاؤها وسقاؤها , ترد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ربها .
واحَسْرَتَاهُ تَقْضِي العُمْرَ وَانْصَرَمَتْ
سَاعَاتُهُ بَيْنَ ذُلِّ العَجْزِ iiوَالكَسَلِ
والقَوْمُ قَدْ أَخَذُوا دَرْبَ النَّجَاةِ iiوَقَدْ
سَارُوا إلى المطْلَبِ الأَعْلَى عَلَى مَهَلِ