فهرس الكتاب

الصفحة 5304 من 27345

ثم قال ابن القيم رحمه الله: قوله أولئك ذخائر الله حيث كانوا , ذخائر الْمَلِك ما يخبأ عنده , ويَذْخُره لمهماته , ولا يبذله لكل أحد , وكذلك ذخيرة الرجل ما يذخره لحوائجه ومهماته , وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم , غير مشار إليهم ولا متميزين برسم دون الناس , ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي , كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة , وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات , فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها , ولزوم الطرق الاصطلاحية , والأوضاع المتداولة الحادثة هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله وهم لا يشعرون , والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة , والسير إلى الله , وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود , وقد سئل بعض الأئمة عن السنة ؟ فقال: مالا اسم له سوى"السنة"_يعني _ أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها , فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره , أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره , أو مشية لا يمشي غيرها , أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما , أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها , وإن كانت أعلى منها , أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره , وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه , فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى , مصدودون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات , عن تجريد المتابعة ؛ فأضحوا عنها بمعزل , ومنزلتهم منها أبعد منزل , فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب , ويعد العلم قاطعا له عن الطريق .

فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , عدَّ ذلك فضولا وشرا , وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم ؛ وعدوه غَيْرا عليهم , فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة - والله أعلم .أهـ

أخي الحبيب: إن سُعار الحزبية محرق , وسمها قاتل ؛ كم مكر أخٌ بأخيه حتى أرداه في لجج الفتن , وكم عُطل من أمر بمعروف أو نهي عن المنكر ؛ فما شتت القلوب , وفرق بين الجموع , إلا الحزبية , ولذا يجب لأهل السنة أن يعلنوا عن هُويتهم , ويبينوا منهجهم , ويحذروا من الحزبية والعصبية , لهذا نجد أن العلماء رحمهم الله , كانوا يهتمّون بتمحيص رجال الحديث فنراهم يميّزون السني من المبتدع ، قال محمد بن سيرين رحمه الله ( 13) : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا: سمّوا لنا رجالكم ، فيُنظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثهم ، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم .

وكان حال السلف في وضع العلم , لا يضعونه إلا عند من يحسن استعماله .

عن أبي داود الطيالسي قال: جهد وكيع أن يسمع من زائدة بن قدامة (14 ) حديثا واحدا ؛ فلم يسمع حتى خرج من الدنيا ، فقيل لأبي داود: وكيف سمعت أنت ؟ قال: كان يستشهد رجلين عدلين على أن هذا صاحب جماعة ؛ وليس بصاحب بدعة ، فإذا شهد عدلان ؛ حدّثه ، قال أبو داود: وكنت بمنى , وحضر سفيان الثوري ، فكان يُكرمني ويقول: ذاكرني بحديث أبى بسطام (15 ) فقلت لسفيان: أُحب أن تكلِّم زائدة في أمري حتى يحدثني ، فجاء إلى زائدة فقال: يا أبا الصَّلت ! حَدِّث صاحبي هذا ؛ فإنه صاحب سنة وجماعة ، فقال: نعم يا أبا عبد الله . ( 16) وبعد هذه النقول ؛ فإنه لحريٌّ بمن كانت هذه همّته , وهي: حفظ بيضة الإسلام من الدخلاءِ ؛ أن يكون له منهجٌ مباينٌ لكلّ المناهج المخترعة , المضاهية لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم في العقيدة والاتباع .

وحريٌ أيضًا أن يكون أصحابها هم المعنيّون بالفرقة الناجية , والطائفة المنصورة كما جاء في بعض الأحاديث ، وكما فسّرها غير واحدٍ من الأئمة المعتبرين .

كما جاء في الحديث عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِهِ , وَمَنْ دَعَا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ جُثَاءُ جَهَنَّمَ , قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى , وَلَكِنْ تَسَمَّوْا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ. ( 17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت