وطيلة ما يزيد عن أسبوع من الإقامة في مختلف مدن جاوة، لم نلاحظ أي توتر أو مؤشرات صراع اجتماعي أو من أي نوع آخر، بين المتدينين وغير المتدينين في أندونيسيا، إذ ثمة غلبة واضحة لقيم التعايش والتسامح، ليس بين مختلف مكونات المجتمع الأندونيسي المسلم فحسب، بل كذلك بين المسلمين وغير المسلمين..ولا شك أن أحداث الصراع التي تنشب بين بعض أبناء الأغلبية الأندونيسية المسلمة وبعض نظرائهم المنحدرين من الأقلية الصينية، أو بين المسلمين والمسيحيين، والتي تنقلها وسائل الإعلام إلينا، لا تعبر إلا عن حالات طارئة سرعان ما يخفت بريقها، فالأصل عند الأندونيسيين قبول التعدد الديني والطائفي والاثني، والنظر إليه كميزة، لم يتردد أكثر من مرافق لنا في الافتخار بها.
و عند البحث عن تفسير للطبيعة المسالمة للشعب الأندونيسي المسلم، يعثر الباحث بكل يسر عن أدلة كثيرة في تاريخ البلاد وتاريخ سكانها، ومن هذه الأدلة أن الاسلام لم ينتشر في مختلف أرجاء الارخبيل الأندونيسي، بالاعتماد على الجيوش وحركات الفتح العسكرية، بل كان إقبال الأندونيسيين على العقيدة المحمدية إقبالا طوعيا سلميا، وكانت انطلاقة ذلك عن طريق ثلة قليلة من التجار المسلمين، من عرب وهنود، أبهروا السكان المحليين بسلوكهم القويم واستقامتهم الأخلاقية العالية، تماما كما بعقيدتهم السهلة المباشرة، الخالية من التمييز الطبقي على غرار ما كان سائدا في ظل الديانة الهندوسية المسيطرة حتى ساعة التحول الكبير إلى الدين التوحيدي الجديد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
هذا الطابع السلمي الذي تميزت به حركة الدعوة الإسلامية، هو الذي سيكون لاحقا عامل إقناع غالبية الأندونيسيين بالتشبث بالعقيدة الإسلامية، في مواجهة حملات التبشير التي صحبت حركتي الاستعمار البرتغالي والهولندي، الذي سيطر على الأرخبيل لما يقارب الخمسة قرون.. وقد ظل الإسلام دين جاوه وسومطرة وغيرها من الجزر الأندونيسية، وقد عجز البرتغاليون والهولنديون عن التغيير، فقد جاء دينهم على فوهات المدافع، في حين انتشر الإسلام سلما وطوعا ومحبة.
ولقد تعود الأندونيسيون كمجتمع على حماية وتعهد الإسلام طيلة أربعة عقود أو أكثر، وذلك في ظل وقوع البلاد تحت سيطرة إدارة استعمارية غربية كانت ترعى بالأساس دين الكنيسة، مثلما تعودوا على تحرير مؤسساتهم الدينية الإسلامية من كل وصاية حكومية مادية أو معنوية، فلما جاء الاستقلال وتبنى رواد الحركة الوطنية نموذج الدولة العلمانية، لم يضر ذلك الأندونيسيين، فواصلوا حماية الدين والاضطلاع بمسؤوليات خدمته من خلال مؤسساتهم المجتمعية، وكان ذلك برأي الكثير من المفكرين الأندونيسيين خيرا للإسلام وأبقى.
وفي أندونيسيا الراهنة، وعلى الرغم من كل ما قيل ويقال عن ظهور جماعات إسلامية متطرفة، تتخذ من العمليات الإرهابية وسيلة لبلوغ أهداف سياسية، لم تدخل الحياة السياسية الأندونيسية في حالة صراع بين الدولة والإسلام، بل أبقت المؤسسات السياسية نفسها في حالة ضبط، كما ظل السياسيون الأندونيسيون يفرقون بين جماعة قليلة العدد، اختارت العنف والتشدد منهجا، وبين الجماعات الدينية الكثيرة المنتشرة في مختلف ربوع البلاد، والتي تشبثت طيلة عقود بالمنهج السلمي، وحرصت كل الحرص على المحافظة على الأمن والسلم الاجتماعي.
ومن مميزات العلمانية الأندونيسية، أنها لم تجبر الجماعات الدينية الإسلامية على عدم خوض العمل السياسي، بل شجعت الراغبة من هذه الجماعات على الانخراط في مسيرة البناء الديمقراطي والمساهمة الفعالة في تسيير أجهزة الحكم. ويجد مراقب الحياة السياسية الأندونيسية"أمين ريس"زعيم الحركة المحمدية، وهي حركة اسلامية معتدلة، على رأس البرلمان، فيما كان زعيم حركة"نهضة العلماء"عبد الرحمن واحد أول رؤساء أندونيسيا بعد انتقالها إلى الديمقراطية وتوديعها الحقبة"السوهارتية".
وتشهد أندونيسيا اليوم موجة من الحركات والجماعات الإسلامية الجديدة، التي تقترح توجهات ورؤى غير تقليدية على الفكر الديني الإسلامي، تجذر فيه من جانب الطابع السلمي الهادئ، وتدفعه من جانب آخر إلى الانفتاح على متغيرات العصر ومستجدات الحداثة، وهو ما جعل بعض المواقع العربية الإسلامية على شبكة الانترنت تصف الداعية الإسلامي الجديد في أندونيسيا ب"داعية نيو لوك".