فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 27345

رجل عكف على نفسه حتى صقلها وزكاها، وحتى صارت مرآة صافية انعكس عليها من الحكمة، والصواب، والخير، ما جعل من أبي الدرداء معلمًا عظيمًا وحكيمًا قويمًا..

اللهم إني أعوذ بك من شتات القلب

ويسمع أبو الدرداء قول رسول الله: (تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، فرّق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه.. ومن كانت الآخرة أكبر همّه، جمع شمله، وجعل غناه في قلبه، وكان الله إليه بكل خير أسرع) .. من أجل ذلك كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شتات القلب.. ويسألونه: وما شتات القلب يا أبا الدرداء..؟

فيجيب: (أن يكون لي في كل واد مال.. فمن لم يكن غنيًا عن الدنيا، فلا دنيا له) ..

وعندما سأله بعض قومه.. أين متاعكم؟!

فقال: لنا دار هناك نرسل إليها تباعًا كل ما نحصل عليه من متاع, وإن في طريقنا الذي سنسلكه إلى تلك الدار عقبة كؤودًا المخفّ فيها خير من المثقل, فأردنا أن نتخفف من أثقالنا علنا نصل.

لقد تبدلت أولويات أبي الدرداء.. فهو يقول:

لولا ثلاثة ما أحببت البقاء:

• ساعة ظمأ الهواجر..

• والسجود بالليل..

• ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام، كما ينتقي أطايب الثمر.

يوم أحد

شهد أبو الدرداء يوم أحد فقد أسلم يوم بدر.

ولما ترك الرماة الجبل، أمره الرسول أن يرد من على الجبل.. وكان هو ممن جاء إلى رسول الله عندما اشتد بأس الكفار حوله، فلما وقف المشركون فوق الجبل يرمون الرسول والمسلمين قال عليه السلام: (اللهم، ليس لهم أن يعلونا) .

سمع أبو الدرداء هذه الكلمات وانطلق في جماعة من الأنصار وراح يضرب المشركين حتى طردهم من مكانهم. وقد أثنى رسول الله على صنيعه فقال: (نعم الفارس عويمر) .

في فتح قبرص

يوم غزوة أحد كان فارسًا مغوارًا وبعد سنوات طويلة كان شيخًا عجوزًا بالمدينة.. وجاءت الأخبار بفتح قبرص.

فرح الناس بما أتاهم من فضله، بينما جلس أبو الدرداء يبكي.. فقال له جبير بن نفير أحد أصحابه في المدينة. ما يبكيك يا أبا الدرداء في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟

فقال أبو الدرداء: ويحك يا جبير.. ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره.. بينما هي أمة قاهرة، ظاهرة، لها الملك، تركت أمر الله، فصارت إلى ما ترى.

لقد كان يخشى على أمة الإسلام أن تنحل فيها عرى الإيمان، وتضعف روابطهم بالله، وبالحق، وبالصلاح، فتنتقل العارية من أيديهم، بنفس السهولة التي انتقلت بها من قبل إليهم..!!

مع الفاروق عمر

ويقول له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أبا الدرداء أريدك واليًا على مدينة في الشام.. فقال: إذا رضيت مني أن أذهب إلى القوم لأعلمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت مطيعًا راضيًا أما ولاية أو أمارة فدعني منها..

ويوافق عمر بن الخطاب على طلبه.. ويقول له: اذهب إلى دمشق وأنجز ما اخترت لنفسك من عمل..

وفي دمشق.. وجد أبو الدرداء قومًا انغمسوا في اللهو والترف.. وانشغلوا بالقصور والمال.. فجاء إلى المسجد.. ووقف في الناس خطيبًا.. وقال لهم: أيها الناس! ما الذي يمنعكم من مودتي والاستجابة لنصيحتي وأنا لا أبتغي منكم شيئًا، فنصيحتي لكم، وأجري على غيركم.

ما لي أرى علماءكم يذهبون.. وجهّالكم لا يتعلمون؟

ما لي أراكم تجمعون ما لا تأكلون..

وتبنون ما لا تسكنون..

وتُؤملون ما لا تبلغون..؟!

لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّلت..

هذه عادٌ يا أهل دمشق، قد ملأت الأرض مالًا وولدًا، فمن يشتري مني تركتهم بدرهمين.. من يشتري..؟

وصرخ فيهم.. من يشتري..؟

فجعل الناس يبكون حتى سُمع نشيجهم من خارج المسجد.

رجل باهر، رائع مضيء، حكمته مؤمنة، ومشاعره ورعة، ومنطقه سديد ورشيد..!!

ويظل أبو الدرداء ناصحًا لأهل دمشق، إمامًا لهم.. يدعوهم إلى عبادة الله وحده.

يقول ناصحًا لأحد الشباب:

•يا بني أذكر الله في السراء يذكرك في الضراء.

•يا بني كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا ولا تكن جاهلًا فتهلك.

•يا بني ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله يقول: (المسجد بيت كل تقي) .

•يا بني صومعة الرجل المسلم بيته, يكف فيه نفسه وبصره, وإياكم والجلوس في الأسواق فإنه يلهي ويُلغي.

مع سلمان الفارسي

آخى رسول الله بين أبي الدرداء وسلمان، وذات يوم جاءه سلمان يزوره، فإذا بزوجته تبدو شاكية منه لهجره لها..

فقال سلمان لأم الدرداء: ما شانك؟

قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا.. يقوم الليل، ويصوم النهار.

فجاء أبو الدرداء مرحبًا بسلمان، وقرب إليه طعامًا، فقال سلمان كُلْ معي.

قال: إني صائم.

قال سلمان: أقسمت عليك لتفطرنّ.. فأكل أبو الدرداء مع صاحبه ثم بات سلمان عنده، فلما كان الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم فيتهدج ويصلي.. فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا. صُمْ وأفطر، وصل وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.

فلما أصبح سلمان.. قال لصاحبه قم الآن إن شئت: فقاما معًا وتوضأ ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت