فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان فقال له عليه السلام: (يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقًا، مثل ما قال لك سلمان) (1) .
يزيد بن معاوية يخطب الدرداء
خطب يزيد بن معاوية ابنته الدرداء فردّه، ولم يقبل خطبته.. ثم خطبها واحد من فقراء المسلمين وصالحيهم، فزوجها أبو الدرداء منه.. وعجب الناس لهذا التصرف، فعلمهم أبو الدرداء قائلًا:
(ما ظنكم بالدرداء إذا قام على رأسها الخدم والخصيان وبهرها زُخرف القصور.. أين دينها منها يومئذ) ؟
وهو بهذا لا يهرب من السعادة بل يهرب إليها..
فالسعادة الحقة عنده هي أن تمتلك الدنيا، لا أن تمتلكك الدنيا.. ولطالما قال: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله تعالى) .
عمر بن الخطاب يزور أبي الدرداء في الشام
وعندما زار الخليفة الفاروق بلاد الشام.. ذهب لزيارة أخيه أبي الدرداء ليلًا.. فدفع الباب فإذا هو بغير غَلَق, فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه, فلما سمع أبو الدرداء حسه قام إليه, ورحب به وأجلسه. فجسّ عمر وسادَ أبي الدرداء فإذا هو بردعة, وجسّ فراشه فإذا هو حصىً.. وجسّ دثاره فإذا هو كساء رقيق لا يفعل شيئا في برد دمشق الشديد..
فقال له: رحمك الله ألمْ أوسع عليك؟ ألم أبعثْ إليك؟!
فقال له أبو الدرداء: أتذكر-ياعمر- حديثا حدثناه رسول الله ؟
قال وما هو؟
قال ألم يقل: )ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب( ؟
قال: بلى.
قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟!
فبكى عمر, وبكى أبو الدرداء..
أمة بعضها من بعض.. استغنت عن الدنيا فدانت لها الدنيا.. وطلبت الآخرة.. تعدّ لها عدتها!
وجاء الموت على شوق
وفي الشام مرض أبو الدرداء, ودخل عليه أصحابه, فقالوا ما تشتكي؟ قال: ذنوبي, قالوا: وما تشتهي؟ قال: عفو ربي.
ثم قال لمن حوله لقنوني: لا إله إلا الله محمد رسول الله, فما زال يرددها حتى فارق الحياة.
في سنة اثنتين وثلاثين مات سيد القراء وحكيم الأمة..
الذين كانوا في حلقة اقرائه يزيدوا عن ألف رجل.. ولكل عشرة منهم ملقن، كان يطوف عليهم قائمًا، فإذا احتاج الرجل منهم إلى شورته تحول إليه..
وداعًا حكيم الأمة فقد قلت وأحكمت القول:
من أكثر ذكر الموت قلّ فرحُه، وقلّ حسدّه..
ها هو الموت قد جاء على شوق.. نعم إنه حبيب أبي الدرداء جاء على شوق.. شوق إلى الجنة.. إلى لقاء ربه.. إلى جنة النعيم..
فماذا يتعلم الدعاة من أبي الدرداء..؟
• يتعلمون منه أن يكون نظرهم فكرة.. يستفيدون من الأحداث التي تمر بهم.. يتفكرون بها.. ويحولونها إلى عبرة يغيرون بها مجرى حياتهم. وكما كان يقول أبو الدرداء: (تفكُر ساعة خير من عبادة ليلة) .
• ويتعلمون منه أن لا تستغرقهم الدنيا إلى درجة التشبع.. فتنسيهم ذكر ربهم.. وكما كان يقول أبو الدرداء: (ولكني أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .
• ويتعلمون منه أن لا يأكلوا إلا طيبًا.. كما كان يقول أبو الدرداء: (لا تأكل إلا طيبًا، ولا تكسب إلا طيبًا، ولا تدخل بيتك إلا طيبًا) .
• ونتعلم من أبي الدرداء الحلم.. (كان يقول: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك.. ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله تعالى) .
• ونتعلم منه أن عظمة الحياة مرتبطة بالعلم.. كان أبو الدرداء يقول: (لا يكون أحدكم تقيًا حتى يكون عالمًا.. ولن يكون بالعلم جميلًا، حتى يكون به عاملًا) .
• ونتعلم منه أن نحافظ على إخواننا.. كان يقول: (أعط أخاك ولِن له.. ولا تطع فيه حاسدًا، فتكون مثله.. غدًا يأتيك الموت، فيكفيك فقده.. وكيف تبكيه بعد الموت، وفي الحياة ما كنت أديت حقه) ..؟
رحم الله أبا الدرداء رحمة واسعة.
مراجع البحث
1-أنصار رسول الله - عبد المنعم الهاشمي.
2-رجال حول الرسول- خالد محمد خالد.
3-صور من حياة الصحابة- د. عبد الرحمن رأفت الباشا.
الهوامش:
(1) البخاري.