وعهد الله والعهد مع الله يتطلب الوفاء بالتكاليف كلِّها كُلٌّ قَدْر وسعه الصادق الذي سَيُحاسِبه الله عليه. وحتى تَتَّضِحَ لك الصورةُ أَيُّها المسلم فانظر كيف يكون حال المسلمين وحال الناس في الأرض لو أنّ المسلمين جميعهم اكتفوا بأداء الشعائر، وتركوا ميدان الدعوة، والتربية والبناء، والتدريب والإعداد، وما يتبع ذلك من تكاليف نصّ عليها الكتاب والسنّة. من سيملأ الميدان عندئذٍ ؟ ! سيملؤه المشركون، فَيُفْتَن الناس عن دينهم تحت ضغط دعاوي المشركين والفاسقين والظالمين، فيكون إثم المتخلّفين عن الدَّعوة وما يتبعها من المنتسبين إلى الإسلام إثمًا كبيرًا، فينزل العقاب من الله بما كسبت أيدي الناس.
بين يديك أيها المسلم نهجٌ يجمع لك التكاليف الربّانيّة كلها على أساس من منهاج الله، وعلى أساس خُطة تحمل النظريّة وتفصيلاتها، والنهج وتفصيلاته، والنماذج والمناهج التطبيقية، والنظام الإداريّ.
النهج واضح جليّ. أساسه الالتزام بمُصاحبة منهاج الله مصاحبة عمر وحياة. ومنهاج الله هو: القرآن والسنّة واللغة العربيّة. وهذه المصاحبة القائمة على صدق الإيمان والتوحيد هي الحماية الرئيسة للنهج كله، وهي الحماية لكل مسلم بهداية من الله وتثبيت. فيها يستطيع المسلم أن لا يُخدَع بضلالة ولا فتنة، وما دام هو يَردّ الأمرَ كله إلى منهاج الله عن إيمان وعلم وتدريب وخبرة.
إِن الأهواء إذا ثارت وتملّكت الإنسان، تتيه به في كلّ واد، فَيُغَشّي على بصيرته وتعمى، ويضطرب فؤاده ويضلّ، فلا يعود يرى الحقَّ حقًّا ولا الباطل باطلًا. إن الأهواء تعصف بالتفكير ونهجه، وتثير الأماني والأحلام، وتلهب الشهوات، حتى لا يبقى مجال لإقناع، ولا فسحة لنُصْح، فَتُسَدُّ الآذان وتعمى الأبصار وتُغلَقُ القلوب.
الإِلحاح بالاستغفار والدعاء، والتوبة والإِنابة، والخشوع في أداء الشعائر وتلاوة كتاب الله، عسى أن يدفع ذلك كله إلى الصراط المستقيم بهداية من الله، لينطلق المسلم على صراط مستقيم، فيلتزم النهج بأمانة.
نقول هذا وندعو إليه بكُلِّ ثقة واطمئنان. وأساس ذلك ما يفرضه النهج من أول الأمر وأهمه وأخطره، أَلا وهو قضيّة الإيمان والتوحيد، القضيّة التي تظل مصاحبة لجميع الخطوات والمراحل، نظريًّا وعمليًّا. وكذلك مصاحبة منهاج الله مصاحبة منهجيّة، مصاحبة عمر وحياة، وردّ الأمور كلها إليه. فأثناء المسيرة يستطيع المسلم أن يكتشف الخلل والتقصير مادام مصاحبًا لمنهاج الله، يزداد علمه به كل يوم، وينال رحمة ربه كل يوم. إنه سياج محكم يسّره الله لعباده المؤمنين حتى لا يُخدَعوا بباطلٍ، ولا يخدَعوا بزُخرفٍ كاذبٍ ولا زينةٍ عابرةٍ، ولا يفتنهم منافق ولا كاذب ولا دجال، وإنه ميزان صادق أمين:
• إِيمان بالله وتوحيد له عن علم ويقين.
• مصاحبة منهاج الله مصاحبة منهجيّة، مصاحبة عمر وحياة.
• ثمّ النهج كله بنظريته ومناهجه ونماذجه ونظامه الإداري.
2-أسس الالتزام:
القضيّة الأولى: هي قضيّة الإيمان والتوحيد: تبليغها من خلال منهاج الله وبيانها، ومعالجة نواحي الخلل في الواقع من حيث التصوّر والبذل لها، حتى تستقرّ في القلب يقينًا وحتى يكون الولاء الأول لله، والعهد الأول مع الله، والحب الأكبر لله ورسوله، ثمّ تعهّد الناس عليها بالرعاية المنهجيّة والنصح والتذكير، حسب النهج والخطة العامة المقرّرة.
القضيّة الثانية: المرتبطة بالقضيّة الأولى هي تدبّر منهاج الله ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربية ـ صحبة عمر وحياة، صحبة منهجيّة: تلاوةً وتدبرًا، حفظًا وتعهّدًا، وممارسةً في واقع الحياة.
قضيّة الإيمان والتوحيد إذا صدقت في قلب المسلم تدفعه دفعًا إلى تدبّر منهاج الله ودراسته، وتدبّر منهاج الله تدبّرًا منهجيًا صحبة عمر وحياة يُغذِّي الإيمان وينميه وينقّيه من الشوائب.
من أجل ذلك يقوم عهد الله ليذكِّر بالعهد مع الله، عهدًا يحاسَب عليه الإِنسان يوم القيامة. فيدفعه ذلك كلّه إلى وعي الواقع من خلال منهاج الله، وعيًا يُعينه على صدق الممارسة، ممارسة منهاج الله في الواقع وردّ الأمور كلها، صغيرها وكبيرها إِليه.
القضية الثالثة: هي هذه السلسلة من الكتب والدراسات لتقديم النهج للفرد المسلم والأُسرة المسلمة، والأُمة والناس كافة، لتعين المسلم على الوفاء بعهده مع الله، والوفاء بالأمانة التي خُلِق الإنسان للوفاء بها، وبمسؤولياته التي سيحاسَب عليها بين يدي الله، وللنجاة من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة، ذلك لمن صدقت نيّته وصدقت عزيمته، ومضى على الصراط المستقيم إِلى أهداف ربّانيَّة محدّدة.
وموجز ذلك أن هذا النهج:
1ـ يُذكِّر بما أمر الله به سبحانه وتعالى.
2ـ يُرِتَّب ذلك على صورة نهج متماسك يقوم على نظرية عامة، نابع من منهاج الله، وملبٍّ لحاجة الواقع، وله مناهج عمليّة ونماذج تطبيقية، وأهداف ربّانيّة محدَّدة، ونظام إداري مفصّل.