فهرس الكتاب

الصفحة 7300 من 27345

وصُلحاءُ هذه الأمّة هم المتّصفون بالنصيحة لله ولكتاب الله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم، قال أبو بكر المزنيّ رضي الله عنه:"ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحابَ رسول الله بصوم ولا بصلاةٍ، ولكن بشيء كان في قلبِه"، قال:"الذي كان في قلبه الحبّ لله عز وجلّ والنصيحة في خلقه"، وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:"ما أدرك عندنا مَن أدرك بكثرةِ الصّلاة والصّيام، وإنّما أدرك عندنا بسخاوةِ الأنفس وسلامةِ الصدر والنّصح للأمّة"، وسئل ابن المبارك رحمه الله: أيّ الأعمال أفضل؟ قال:"النّصح لله"، وقال معمر: كان يقال:"أنصحُ الناس لك من خاف الله فيك"، وقال بعض السلف:"من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوسِ النّاس فإنما وبّخه".

قال بعض أهل العلم:"جماعُ تفسير النّصيحة هو عنايَة القلب للمنصوح له، كائنا مَن كان. وهي على وجهين: أحدهما فرض، والآخر نافلة. فالنّصيحة المفترضة لله هي شدَّة العناية من النّاصح باتباع محبّة الله في أداء ما افترض ومجانبةِ ما حرّم. وأمّا النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبَّته على محبّة نفسه، وذلك أن يَعرِض أمران: أحدهما لنفسه والآخر لربّه، فيبدأ بما كان لربِّه ويؤخِّر ما كان لنفسِه".

**النّصيحة لله تعالى:

ومعنى النّصيحة لله تعالى هي عبادتُه وحدَه لا شريك له بإخلاصٍ ومتابعة للهدي النبويّ مع كمال الذلّ والخضوع والمحبّة لله عز وجل، وعدمُ الإشراك به في الدعاء أو الذبح أو النّذر أو الاستعانة أو الاستعاذة أو الاستغاثة أو التّوكّل أو الرّجاء أو الرّغبة أو الرّهبة أو أيّ نوع من أنواع العبادة لقول الله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.

والنّصيحة لله تعالى، كذلك، هي الإيمان بصفاتِه جلّ وعلا التي وصف بها نفسَه أو وصفه بها رسوله، وإثباتُها كلِّها لله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهُه عزّ وجلّ عمّا لا يليق به تنزيهًا بلا تعطيل للصفات، واعتقادُ توحُّده وتفرُّده سبحانه بالخلق والتّدبير وتصريف الكونِ في الدّنيا والآخرة، لقوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، ولقوله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، والتقرّبُ إليه بكلّ فريضةٍ ونافلة، ومجانبة محرَّماته، فمَن قام بهذه الحقوق لربّه فقد نصح لخالقه، وفي مراسيل الحسن البصريّ عن النبيّ قال: (أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدان فكان أحدُهما يطيعه إذا أمره، ويؤدّي إليه إذا ائتمَنَه، وينصح له إذا غاب عنه، وكان الآخر يعصيه إذا أمَرَه، ويخونه إذا ائتمَنَه، ويغشّه إذا غاب عنه، أيكونان سواء؟) قالوا: لا، قال: (فكذلكم أنتم عندَ الله عزّ وجلّ) ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبيّ قال: (قال الله تعالى: أحبُّ ما تعبَّدني به عبدي النصحُ لي) .

ومِن النّصح لله تعالى محبّة ما يحبّ الله تعالى من الأقوال والأفعال، وبغضُ ما يبغضه الله تعالى من الأقوال والأفعال.

**النّصيحة لكتاب الله:

وأمّا معنى النّصيحة لكتاب الله تعالى فشدّةُ حبِّه وتعظيمُه وشدّة الرّغبة في فهمه والعنايةُ بتدبُّره والاهتمام بحفظه بقدر الاستطاعة وبقدر ما يوفِّق الله تعالى ويعين، ومداومة تلاوته والتخلُّق بآدابه، والتّحاكم إليه، ودعوة النّاس إلى العناية به تعلُّمًا وتعليمًا، وإتقان تلاوته وفهم معانيه والعمل بأحكامه.

** النصيحة لرسول الله:

وأمّا معنى النّصيحة لرسول الله فطاعةُ أمره واجتناب نهيِه وتصديق أخباره وعبادة الله بشرعه ونُصرة سنّته، والعناية بهديه تعلُّما وتعليمًا، وبُغض من يكرَه سنّتَه، والاقتداء به ظاهرًا وباطنًا ومحبتُه أكثرَ من النفس والمال والأهل والولد، والردُّ من العلماء على الأهواء المضلّة بالكتاب والسنّة والذبُّ عن سنّة رسول الله.

** النصيحة لأئمة المسلمين:

ومعناها نصح الأمراء والعلماء، بكفهم عن الظلم وجمع كلمة الناس عليهم وإعانتهم على الخير والنصيحة والدعاءُ لهم بالصّلاح وحبُّ صلاحهم وحبُّ عدلهم ورشدهم وحبُّ اجتماع الكلمة عليهم ومحبةُ نشر حسناتهم وبُغض ذكر مثالبهم وطاعتُهم في طاعة الله ومحبةُ إعزازهم وعدمُ الخروج عليهم بالأقوال أو الأفعال وبُغض من يرى الخروجَ عليهم ومناصحتُهم فيما يعود على الأمّة بالخير في دينهم ودنياهم بالرّفق والحكمة والإخلاص لله تعالى وعدمُ الدعاء عليهم. والنصيحة للعلماء بتوقيرهم ونشر علومهم وإحسان الظن بهم.

**النّصيحة لعامّة المسلمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت