وربما اشتبهت الدولة المدنية في ذهن البعض بالمجتمع المدني، فظن أنه يصحّ استخدام مصطلح الدولة المدنية في وصف الدولة الإسلامية. وفي الحقيقة بينهما فرق جوهري. الدولة المدنية -كما قلت- إنما نشأت في مقابل الدولة الدينية، أما المجتمع المدني فنشأ في مقابل المجتمع الذي تديره الحكومة الشمولية من خلال مؤسساتها. فهو مجتمع ينشئه المواطنون أو الأهالي ويرعى قطاعات لاترعاها الحكومة، كروابط المدرسين ونقابات العمال وأصحاب المهن، والمؤسسات الخيرية. هذا المجتمع يرعاه الأهالي، وينفق عليه الأهالي، ويديره الأهالي، وليس للحكومة علاقة به سوى علاقة الإشراف العام المتمثلة في وضع النظم واللوائح ومراقبة تنفيذها. والمجتمع المدني هو أقرب المجتمعات إلى المجتمع في العصر النبوي والخلافة الراشدة. فالحكومة في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي الخلافة الراشدة لم تكن شمولية تسيطر على كل جزئية في المجتمع، وإنما تركت الكثير من شؤون الناس لهم ليديروها حسبما يرون وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. بل إن التاريخ الإسلامي لم يكن يعرف الدولة الشمولية هذه التي نشأت في أوروبا، وكان الكثير من شؤون الناس ومصالحهم يديرونها هم من غير تدخل من الحكومة. وعلى هذا فالمجتمع المدني هو أحد الخيارات المتاحة أمام المجتمع ولا غضاضة في الأخذ به. وصفة المدنية لاتعني إلغاء حاكميّة الشريعة، كما هو الشأن في الدولة المدنية، وإنما تعني طريقة المجتمع في إدارة شؤونه من غير تدخّل من الحكومة.