أعظم درس نأخذه من هذه الابتسامة ، التي ودع بها الحبيب أمته ، وأصحابه ، ففي تلك الابتسامة إيحاء ، ورمز لاطمئنانه عليه الصلاة والسلام على أمته ، ما دامت خلف إمام واحد ، في صفوف منتظمة . تبسم بأبي هو وأمي حين رأى أمته تصلي الجماعة في المسجد ، متراصة ، متابعة للإمام ، لا تسبقه ، و لا تتخلف عنه ، بل تتبعه ، وبه تقتدي . فما دامت الأمة تصلي في المساجد ، فثق بخيريتها أيها المحب ، وتفاءل بمستقبلها ، ولتكن ابتسامة الحبيب علامة الاطمئنان على أن جذوة الحق لا تخبو ، طالما ارتفع صوت المؤذن يصدح عبر المآذن يردد: الله أكبر ، حبذا الترديد . فالعهد العهد ، تمسكا بما تبسم الحبيب صلى الله عليه وسلم رضا عنه ، وسعادة به ، وسرورا من أجله ، فلا تغب عنه أبدا ، ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، فإنها من أهم الأسباب التي سوف تدخلك إلى الجنة ، وفيها ترى وجه الحبيب ، وابتسامة الحبيب ، وتسمع صوت الحبيب ، وتنال رضا الحبيب ، حبيب من البشر ، محمد بن عبدالله ، بأبي هو وأمي ، صلوات ربي وسلامه عليه ، وحبيب هو رب البشر ، حين يكشف الحجاب ، ويحل على أهل الجنة رضوانه ، فلا يسخط عليهم بعده أبدا . لا حرمني الله ولا إياكم ، ولا والدينا هاتين الرؤيتين ، وأحل علي وعليكم الرضوان ، مع من قال فيهم: وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ، ذلك هو الفوز العظيم . بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ... الخطبة الثانية: الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه . أحمده سبحانه ، حمدا يوصل الحامد له به إلى رضوانه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعظيما لشأنه ، ومنجية لي من عقوبته ونيرانه . وموجبة لي بحبوحة جنانه . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دعى من أراد النجاة أن يعمل لها ، بقلبه ، وجوارحه ولسانه ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وإخوانه ، وسلم تسليما . أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ،،، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ، ثم اعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم ، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم ، وقدموا عذركم ، واستعدوا للعرض الأكبر على الله ، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية . معاشر المسلمين: إن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها ، وكل قول فلصدقه وكذبه شاهد من حال قائله ، فكما أحببت النبي صلى الله عليه وسلم بالمقال ، فلتشهد حالك صدق محبتك بالفعال . وليكن فخرك ، كل فخرك في دخولك في عبودية مولاك ، واتباع حبيبك صلى الله عليه وسلم ، كما قال القائل: شرف النفوس دخولها في رقهم والعبد يحوي الفخر بالتمليك ومحبة الله ، ورسوله ، قوت القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة العيون ، هي الحياة التي من فقدها فهو يمشي بين الأحياء وهو من جملة الأموات . من أحب الله ورسوله ، شفي قلبه من جميع الأسقام ، ومن فقد ذلك الحب ، امتلأت حياته بالهموم والآلام . بالمحبة ، تصل النفس إلى الجنة ، التي لا يصلها المرء إلا بشق الأنفس . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لثوبان رضي الله عنه حين سأله عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم . قال: المرء مع من أحب يوم القيامة . فيا لها من نعمة سابغة على المحبين . فحيهلا ، إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطوِ المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهمُ إذا ما دعا: لبيك ، ألفا كواملا وخذ منهم زادا إليهم ، وسر على طريق الهدى والفقر تصبح واصلا وأحي بذكراهم سراك ، إذا ونت ركابك ، فالذكرى تعيدك عاملا وإما تخافن الكلال ، فقل لها: أمامك ورد الوصل ، فابغ المناهلا وخذ قبسا من نورهم ، ثم سر به فنورهم يهديك ليس المشاعلا وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا فما هي إلا ساعة ، ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا هذه الأبيات لابن القيم رحمه الله تعالى ، وقال قدس الله روحه: إذا غرست شجرة المحبة في القلب ، وسقيت بماء الإخلاص ، ومتابعة الحبيب ، أثمرت أنواع الثمار ، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها ، أصلها ثابت في قرار القلب ، وفرعها متصل بسدرة المنتهى . اهـ هذا وصلوا على الحبيب ، إن الله وملائكته