فهرس الكتاب

الصفحة 4416 من 27345

وقع نفر من المسلمين في أمر البدعة في الإفراط فلم يفرقوا بين العبادات و المعاملات، فرأوا فريق أن يجمدوا على الوسائل التي ورثوها حتى ولو كانت من الأمور والوسائل الدنيوية البحتة التي لا علاقة لها بالعبادات ؛فتقدم الآخرون في أمور الدنيا وبقي هؤلاء عالة عليهم يتسولون منهم ما اخترعوه وصنعوه، وفرط آخرون فلم يفرقوا بين ما هو من أمور العبادات وما هو من أمور المعاملات فابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله بزعم التحضر و التقدم و حدث خلط كبير في المفاهيم و كان الواجب أن يصطلح كل فريق على حقه، فالعبادات الأصل فيها المنع و الحظر و التوقيف، أما المعاملات فالأصل فيها الإباحة إذا روعيت ضوابطها فلا مانع من صناعة الطائرة و ركوب السيارة و بناء المستشفى و الملجأ و المدرسة، و هذه الوسائل لما استخدمت له، و إن استخدمت في أمر صالح كانت صالحة و إن استخدمت في أمر فاسد كانت فاسدة، أما العبادات كالصلاة و بر الوالدين و الحجاب فهي تؤخذ بلا زيادة و لا نقصان سواء كنا في القرن الأول أو في القرن المائة، و من سمات هذه الدعوة المباركة التطور لا الرجوع للوراء، و يكون ذلك فيما يقبل التطور مع التمسك بالمعاني الإيمانية دون تغيير أو تبديل: ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي..) (يونس: 15) و لذلك قلنا: إن الابتداع في الدين مذموم و كله ضلالة، و يشمل ذلك البدع الحقيقية و الإضافية (و هي التي لها شائبتان، شائبة من الشرع و شائبة من غيره، كالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم عقب الأذان بصوت جهري، و الاحتفال برأس السنة الهجرية و الإسراء و المعراج) و قد أخطأ من قال: إن البدع الإضافية لا إنكار فيها، بل لابد من إنكارها لعموم النهي عن الابتداع في الدين.

السلف يحذرون من البدعة

قال مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه و سلم خان الرسالة لأن الله يقول: ( اليوم أكملت لكم دينكم) ( المائدة: 3) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا، و قال الشافعي رحمه الله من استحسن فقد شرع، و قد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"كل بدعة ضلالة و إن رآها الناس حسنة"، و قال بن مسعود:"اتبعوا و لا تبتدعوا فقد كفيتم، وعليكم بالأمر العتيق"و بالتالي فعلى كل من أراد أن يأتي بجديد في العقائد أو العبادات أن يسوق النص و الدليل إذ الفعل سنة و الترك أيضا سنة طالما وجد المقتضي و انتفى المانع و لم يفعل، كتركهم الأذان للعيدين و تركهم تلاوة القرآن على الموتى، و تركهم تلاوة القرآن بصوت جهري قبل العصر و الجمعة، فالترك هنا هو السنة إذ أنهم عن علم وقفوا و ببصر نافذ كفوا. قال الحسن: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل و حادوا عن الطريق فتركوا الآثار و قالوا في الدين برأيهم فضلوا و أضلوا، و قال أيضا:"السنة و الذي لا إله إلا هو بين الغالي و الجافي فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى و هم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم و لا مع أهل البدع في بدعهم و صبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك إن شاء الله فكونوا". و قال:"لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما و لا صلاة و لا حجا و لا عمرة حتى يدعها"، و قال:"صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا". و قال:"لا تجالس صاحب بدعة ؛ فإنه يمرض قلبك". وقال حسان بن عطية:"ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة". ففي السنن كفاية و على من أراد أن يسن للناس سنة حسنة أن يدلهم على هدي نبيه صلى ا لله عليه و سلم و يظهر لهم الشرائع و الشعائر ويحيي السنن التي اندرست و انطمست لا أن يبتدع في دين الله ما ليس منه، لا معارضة بين إطلاق اللحية و تقصير الثوب و بين ركوب الطائرة كما لا معارضة بين جلباب المرأة و تطور الدنيا فنحن بحاجة لإقامة حضارة على منهاج النبوة و ملاحقة معاني التطور و التقدم مع التمسك بما جاء في كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و الانتهاء عن الابتداع في الدين، إذ أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ومن علامة البلاء أن يكون الرجل صاحب بدعة لا يرفع له عمل، و من أعانه فقد أعان على هدم الإسلام ومن زوج كريمته منه فقد قطع رحمها، و لا يصل العبد إلى الله إلا بموافقة حبيبه صلى الله عليه و سلم في شرائعه و من جعل الطريق إلى الوصول في غير الإقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتدٍ، و كل الطرق مسدودة إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم فاتبع طريق الهدى و لا يضرك قلة السالكين و إياك و طرق الضلالة و لا تغتر بكثرة الهالكين.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت