4.قال - تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب:28]
(ب) المتعة في السنة المطهرة:
أخرج البخاري في صحيحه بسنده، عن سهل عن أبيه وأبي أسيد قالا: تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين.
وفي رواية أخرى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا أبا أسيد اكسوها رازقيين وألحقها بأهلها) ، فتح الباري على صحيح البخاري، ج9، ص: 356)، زاد المعاد، ج4، ص: 155، تفسير ابن كثير، ج1، ص: 288.
تقدير المتعة:
تفاوتت آراء الفقهاء في كيفية تقدير المتعة، هل يعتبر في تقديرها حال الزوج، أو حال الزوجة، أو حالهما معًا؟
فذهب بعضهم إلى أن المعتبر في تقدير المتعة حال الزوجة؛ لقوله - تعالى -: (متاع بالمعروف) الآية، [البقرة: 241] . فليس من المعروف أن تلبس المرأة الغنية ثيابًا خشنة أو تقوم بخدمة نفسها، بل لابد لها من خادم.
فذهب بعضهم الآخر إلى أن المتعة تقدر حسب حال الزوج؛ لقوله - تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) ، [البقرة: 236] . فلو كان ذلك واجبًا على قدر حال المرأة لكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن.
فصريح الآية يجعل تقدير المتعة على حسب حال الزوج؛ لأنه هو الذي سيكلف بها، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها.
وذهب آخرون إلى أن المعتبر في تقدير المتعة هو حال الزوجين معًا؛ لأن الله - تعالى - في الآية الكريمة قد اعتبر أمرين:
أحدهما: حال الرجل في يساره وإعساره، فقال الله تعالى (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) .
ثانيهما: أن يكون مع ذلك بالمعروف فقال - تعالى - متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين.
فملاحظة هذين الأمرين تجب ملاحظة حالهما معًا (الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة، [ص: 223، 234] .
إذ ينبغي عند تقدير المتعة مراعاة حال الزوج المالية وظروفه الخاصة، مع مراعاة ما يقضي به العرف، على أن يوضع في الاعتبار ما لحق بالمرأة من ضرر نتيجة للفرقة، ويكون الرجوع إلى الحاكم عند المشاحة.
وينبغي للزوج أن يبذل الكثير من المال في هذا الشأن بحسب استطاعته.
هذا: وينادي بعض أدعياء أنصار المرأة بوجوب تقدير معاش شهري للمطلقة مدة حياتها، أو إلى أن تتزوج، على أنه متعة شرعية لها، تعوضها عما أصابها من ضرر الطلاق.
ونحن نرى أن هذا مخالف للشريعة، وعدم فهم لما جاءت به في تشريع المتعة؛ وذلك لأن تقرير معاش شهري على أنه متعة سيجعل كل قسط متعة مستقلة، وهذا يؤدي إلى تكرار المتعة، وقد صرح الفقهاء بأن المتعة لا تتكرر، ولأن دفع مبلغ من المال كل شهر مثلًا إلى أن تموت المطلقة أو تتزوج يفضي إلى جعل المتعة مبلغًا ضخمًا من المال يرهق ويصيبه بالحرج والضرر، وهذا ليس من المعروف في شيء، والتشريع القرآني يشترط في المتعة أن تكون بالمعروف حيث يقول الله - تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) ولذا لم يقل به أحد من فقهاء الأمة في أي عصر من العصور ... لذلك نرى أن هذا الرأي مخالف لتشريع المتعة في الشريعة الإسلامية فيكون باطلًا.
آراء الفقهاء في حكم المتعة:
إذا كان عقد النكاح يرتب حقوقًا للمرأة منها الصداق، فإن الطلاق ينشأ عنه حق آخر للمرأة هو المتعة، ولما كانت المطلقة لا تخلو من إحدى حالات أربع:
الأولى: مطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.
الثانية: مطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.
الثالثة: مطلقة بعد الدخول وقبل الفرض.
الرابعة: مطلقة بعد الدخول والفرض.
وعلى هذا فالفقهاء في حكم متعة الطلاق على أربعة آراء:
الأول: القول بأنها سنة في جميع الحالات، وبهذا قال الفقهاء السبعة (3) ، والإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد.
الثاني: القول بالوجوب في حالة واحدة وهي الطلاق قبل الفرض وقبل الدخول، وقالوا بالندب فيما عدا ذلك، وبهذا قال الحنفية والزيدية، ورواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد (4) .
الثالث: القول بالوجوب إلا في حالة واحدة، وهي المطلقة بعد الفرض وقبل الدخول، وبهذا قال الإمام الشافعي في القديم، ورواية عن الإمام أحمد (5) .
والرابع: القول بالوجوب مطلقًا، وبهذا قال أمير المؤمنين علي، والحسن، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وأبو ثور، والطبري، وابن حزم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال به الشافعي في الجديد، واختاره الإمام ابن تيمية (6) .
وفيما يلي نتناول هذه الآراء بالتفصيل مع بيان أدلة كل رأي منها ومناقشتها، ثم نبين الرأي المختار: