الأول: القول بأن المتعة سنة في جميع الحالات وليست واجبة؛ وذلك لأن من وجب لها نصف المهر فقد استحقته باحتياطها هي ووليها، حيث تم عقد النكاح مع تسمية المهر، فإن تم عقدها بدون تسمية المهر فليس لها نصف المهر ولا تجب لها المتعة، ولكن تكون المتعة لها عند زوجها واستحبابًا وتطوعًا.
واحتجوا بأمرين:
أولهما: أن الشارع لم يقدر المتعة، ولو كانت واجبة لبين مقدارها.
والجواب عن ذلك: أن عدم التقدير لا يلزم منه عدم الوجوب، فقد فرض الله النفقة ولم يبين مقدارها، بل وكل ذلك إلى الاجتهاد.
ثانيهما: أن الله علَّق الأمر بالتمتيع على الإحسان في آية، وعلى التقوى في آية أخرى فقال: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين) ، [البقرة: 236] .
وقال في الآية الأخرى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين) ، [البقرة: 241] .
والإحسان غير واجب، والتقوى أمر خفي والشأن في التشريع ألا يعلق الحكم واجبًا أو غير واجب على الأمور الخفية، وإنما يعلق على الأمور الظاهرة، فدلَّ ذلك على أن المتعة مستحبة غير واجبة، كما يفهم ذلك من التعليق على الإحسان والتقوى؛ إذ لو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، والجواب عن هذه الحجة: أن الأمر بالتمتيع في قوله (ومتعوهن) وإضافة التمتيع إليهن في قوله: (وللمطلقات متاع) كل ذلك أظهر في الوجوب منه في الندب.
كما أن الله - عز وجل - قال: (حقًا) والحق فرض وواجب، وقال (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) ، و"على"تفيد الوجوب.
أما ذكره (المحسنين) و (المتقين) فإنه لتأكيد الوجوب، فإن فاعل الواجب يقال له محسن، وكل مؤمن تجب عليه تقوى الله - تعالى - بالابتعاد عن معاصيه. وعليه فتخصيص المحسنين والمتقين بالذكر إنما هو من باب التشريف والحض على فعل الواجب، فكأنه قال: من فعل ذلك فقد أحسن إلى نفسه واتًّقى عذاب الله - تعالى - المترتب على عدم فعل الواجب.
ويؤيد هذا ما جاء في سبب نزوله قوله - تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين) ، قال بعض السلف (7) :لما نزل قوله - تعالى -: (متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين) ، قال بعضهم: إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين) .
فدل ذلك على أن الشارع أراد من الأمر بالتمتيع الوجوب لا الندب.
الثاني: القول بوجوب المتعة في حالة واحدة، وهي إذا طلقت قبل الفرض وقبل الدخول، وتكون مندوبة في باقي الأحوال وممن قال ذلك الإمام أبو حنيفة. ودليله قوله - تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ...) الآية.
فقالوا بوجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض؛ لأن قوله: (ومتعوهن) أمر بتمتيع هؤلاء، والأمر يفيد الوجوب ولم تتعرض الآية لغير هذا الصنف، فدل ذلك على عدم وجوبها لغيرهن.
الرأي الثالث: القول بأن المتعة واجبة لكل مطلقة فيما عدا التي طلقت قبل الدخول، وقد فرض لها الصداق فليس لها متعة، وإنما الواجب لها نصف الصداق فقط (8) .
ودليلهم قوله - تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين) وقوله - تعالى - في حق أزواج الرسول - عليه الصلاة والسلام - (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلا) [الأحزاب: 28] ، وأزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنَّ مدخولًا بهن مفروضًا لهن.
فلا يستثنى شيء من المطلقات إلا ما استثناه الشارع، وقد استثنى الشارع المطلقة بعد الفرض وقبل الدخول
وذلك أن الله ذكر المطلقة قبل الدخول بصنفيها، المفروض لها وغير المفروض لها في آيتين متعاقبتين وقرن كل صنف بحكم، الأمر الذي يشعر باختصاص كل صنف بالحكم الذي قرن به ، فقال: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره) ، [البقرة: 236] .
ثم عقب ذلك بقول: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) .
ففي الآية الأولى أمر بتمتيع المطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها شيء، وفي الثانية أوجب للمطلقة قبل الدخول التي فرض لها المهر نصف المسمى ولم يوجب لها متعة، فتعين التقيد بما ورد في النص.
والجواب عن ذلك: أنه قد ورد ثبوت الحق للمطلقة قبل الدخول وبعد الفرض في قوله - تعالى - (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا) . وهي عامة في كل مطلقة قبل الدخول، سواء فرض لها أم لم يفرض.
الرأي الرابع: القول بوجوب المتعة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، فرض لها أم لم يفرض.
ودليلهم قوله - تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين) وقالوا: إن الآية عامة في كل مطلقة، ولم تفرق بين مطلقة قبل الدخول، أو بعده، فرض لها أم لم يفرض لها.