فهرس الكتاب

الصفحة 18342 من 27345

أما قوله - تعالى -: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فهذه الآية أوجبت للمفروض لها غير المدخول بها نصف المهر، بالإضافة إلى المتعة التي أوجبتها لها الآية الأخرى

ولا منافاة بين ما أوجبته كل من الآيتين، فإن الله - تعالى - لم يقل: فنصف ما فرضتم ولا متعة لها، وثبوت حكم في آية لا يدل على إسقاط حكم ثبت بآية أخرى، ما دام لا يترتب على اجتماعهما محال ... فدل ذلك على أن وجوب نصف المهر لها لا ينفي حقها في المتعة، لأن في القول به أخذًا بجميع الأدلة، وإبقاء للأوامر الواردة في الآيات على بابها دون حاجة إلى صرفها عن ظاهرها، ولا تعارض بين الآيات، حيث يمكن الجمع بين الأحكام الواردة فيها، سواء ما ورد منها في سورة البقرة أم في سورة الأحزاب.

والقول بوجوب المتعة مطلقًا هو مذهب جماهير العلماء، ومن أوجبها منهم في بعض الحالات، احتاج إلى التأويل أو حمل الأمر على الندب، ولا ينبغي صرف الأمر عن ظاهره من غير دليل.

وأما القائلون بأن المتعة سنة على الإطلاق فلا ينهض لهم دليل، يعارض صريح النصوص، وما احتجوا به أمكن مناقشته ورده فيما سبق، بما أغنى عن إعادته هنا، فلم يبق إلا القول بوجوب المتعة مطلقًا، للنصوص الواردة في هذا الشأن، ولأن في القول به جمعًا بين الأدلة، ويتفق مع الأوامر القرآنية التي تقضي بالعشرة بالمعروف، والتسريح بالإحسان، عند تعذر استمرار الحياة الزوجية.

وإذا كان حسن الصحبة واجبًا حال قيام الزوجة فينبغي أن يكون التسريح سراحًا جميلًا، بتخفيف آثار الطلاق على المرأة، ومواساة جراحها، بما يدفع إليها من المال، بصرف النظر عما أخذته من المهر كله أو نصفه؛ لأن هذا شيء ملكته بالعقد، فلا يغني عما تستحقه بالطلاق.

وقد خاطب الله الأزواج وطالبهم بالعفو عن نصف الصداق، لتأخذ المرأة الصداق كله، إذا طلقت قبل الدخول وبعد الفرض، وقد بين - تعالى - أن هذا أقرب للتقوى، وقال (ولا تنسوا الفضل بينكم) الآية، [البقرة: 237] .

ثم قال في الآية الأخرى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) فأوجب لها المتعة بعد أن أوجب لها نصف الصداق، وحث على العفو عن النصف الآخر، وأكد ذلك ورغَّب فيه فقال - تعالى -: (وإن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) .

وإذن فقد أوجب الإسلام الصداق بالعقد، والمتعة بالطلاق، وهي تعويض لجبر إيحاش الطلاق.

ويرجع في تقديرها للحاكم بناء على ما يقضي به العرف، وبحسب الظروف، مع مراعاة حال الزوج المالية، وبحسب ما لحق بالمرأة من ضرر، ويكون الرجوع إلى الحاكم عند المشاحة.

على أنه لا ينبغي للقاضي أن ينقص المتعة عن نصف الصداق؛ لأن الله - جل وعلا - منح المطلقة قبل الدخول وبعد الفرض نصف الصداق، مع أن الزوج لم يمسها ولم ينل منها شيئًا، ولم يترتب على هذه الفرقة عدة، ويمكن استقبال الخطاب في الحال، فإذا كانت قد استحقت نصف الصداق في هذه الحال، فلأن تستحق النصف الثاني باسم المتعة بعد أن طالت العشرة واستمرت الصحبة بينهما ، ولا سيما أنه يحتمل ألا يبقى لديها شيء من الصداق تستعين به على معيشتها ويحفظ لها ماء وجهها ويقيها من ذل السؤال أو الوقوع في الفقر والفاقة، وليس لها ما تستعين به إلا ما تحصل عليه من المتعة، بل إنها قد تستحق أكثر من نصف المهر، إذا رأى القاضي منحها مزيدًا من المال مما يقضي به العرف أو جرت به العادة.

وإذن فقد اتضح لنا أن المتعة تجب على الزوج لمطلقته في جميع الأحوال؛ تعويضًا لها عن الضرر الذي يصيبها بسبب الطلاق وإيذاء الزوج لها بتركها وإثارة القول فيها: ما سبب تركه لها؟ لعله كره منها كذا وكذا؟ وقد يقعد بها هذا الطلاق عن الزواج في المستقبل؛ لأن الناس غالبًا ما ينصرفون عن المطلقة، وقد يكون ما أخذته من الصداق قد استهلك، فلا يبقى لها ما تستعين به في حياتها وتصون به نفسها، وتحفظ كرامتها ويحميها من الضياع والحاجة إلى ما يدفع لها من المال باسم المتعة.

وفي هذا رد بالغ على أدعياء الإنسانية، الذين جعلوا من أنفسهم أوصياء على المرأة، وطالبوا بحمايتها من وحشية الرجل الذي يحوز المرأة كما تحاز السائمة في نظرهم.

كما أن في القول بوجوب متعة الطلاق ردًا على الجمعيات النسائية، التي ملأت الدنيا صراخًا وعويلًا مطالبة ولاة الأمور بسن تشريع يوجب على الزوج تعويض المرأة عن الضرر الذي يصيبها بسبب الطلاق، فأخذوا يتلمسون ضالتهم المنشودة في القوانين الوضيعة، ويطالبون النجدة من الأنظمة الغربية لحماية هذا الجنس الضعيف الذي استبدَّ به الرجل - على رأيهم - ولكن هيهات ... هيهات ... فلن يجدوا ما يحقق لهم غايتهم ويصلون به إلى هدفهم غير كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وبعد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت