فهرس الكتاب

الصفحة 25232 من 27345

لكن ثمت حقيقة تطل علينا من خلال قراءة هذه التعليقات، وهي أعني تلك الحقيقة بيت القصيد في هذه المقالة، إنه فشل الديمقراطية الغربية، أو على الأقل: فشل هذا النوع من الديمقراطية، المعروف بالنظام البرلماني، والذي يتمكن فيه أحد الأحزاب من الفوز بالانتخابات وتمثيل الحكومة، بمجرد حصول على أكثر عدد من المقاعد البرلمانية، ففي هذه الانتخابات مثلًا حصل حزب العمال على أكثر عدد من المقاعد مقارنة بما حصل عليه منافسه، لكنه لم يحصل على أغلبية المقاعد في البرلمان، بل إن الواقع يمكن أن يُقرأ بطريقة عكسية -فبضدها تتميز الأشياء -إذ يمكن أن ينظر إلى حصوله على أكبر عدد من الأصوات فقط إذا ما قورن بالأحزاب الأخرى، وهذا قد يعني -كما هي الحال هنا - بأن أغلب المصوتين صوتوا ضد الحزب، لكن تفرق أصواتهم هو الذي منحه فرصة للفوز.

أحد المشاركين في استطلاعات الرأي الذي أجراه موقع البي بي سي حول الانتخابات يتساءل بطريقة تعكس فشل هذا النوع من الديمقراطية على الأقل، فيقول:

"كيف يمكن للديمقراطية في العصر الحديث أن تسمح لمن حصل على أقل نسبة من الأصوات أن يشكل الحكومة؟ أليس نظام التمثيل النسبي، أو التصويت الإجباري، يعكس طريقة أكثر عدلًا وتوازنًا؟"

وهكذا يجمع أكثر المشاركين في استطلاع الرأي بأن فوز حزب العمال بهذه الطريقة لا يعكس رغبة البريطانيين فيه، بل إنه على العكس من ذلك يشير إلى أن أغلب البريطانيين ضده، وضد سياساته، لكن هذا النوع من الديمقراطية، منح الأقلية، حكم الأكثرية، فأين تلك الديمقراطية، إذًا؟

وثمت أمر آخر تطالعنا به تلك الانتخابات، عبر عنه كثير من المحللين بقولهم: إن فوز بعض الأحزاب الأخرى غير الرئيسية ببعض المقاعد، وخسارة الحزب"الحاكم"-رغم فوزه بتشكيل الحكومة- مقاعد كثيرة، يدل على أن الناخبين البريطانيين سئموا حكم الحزب الواحد، أو الحزبين الحاكمين، وهم يبحثون الآن عن"التنوع".

أيها السادة الفضلاء:

في الوقت الذي يلفظ العقلاء من العالم الغربي هذه النظم الديكتاتورية المغلفة بنظام حرية الكلمة، تتلقف نخبنا التي تُدعى ظلمًا وزورا بالنخب المثقفة؛ الديمقراطية، وكأنها المنقذ للبشر في الدنيا والآخرة، وتحاول الولوج منها إلى الطعن في النظام الإسلامي، والتخلف الذي تمثله النخب المتدينة في المجتمع، وفي ظني أن هؤلاء أحد اثنين:

أولهما جاهل بحقيقة الديمقراطية الغربية، إذ قد أعشته حرية الكلمة عن إدراك كنه هذا النظام العفن، لكنّ الإعجاب بما عليه القوم ولّد لدينه هذا الاعتقاد.

وثانيهما خبيث السريرة، ماكر العلانية، يدعو في الظاهر للرقي والتمدن، وينطوي باطنه عن رغبة جارفة للاستغراب والتفرنج.

ومهما يكن من أمر، فإني وإن قسوت في العبارات على كلا من الطرفي، إلا أني أحب أن أتبع ذلك بعبرات تلطف من وقع كلماتي، فأقول: نعم كلاهما مخدوع، ولكن نظمنا القمعية في العالم العربي والإسلامي هي التي دفعت البعض منّا لهذه النظرة القاصرة.

نعم، في نظمنا العربية، لا ديمقراطية عفنة، ولا حرية كلمة، ولا إسلام، وتنظر الشعوب حيرى إلى الغرب، حيث يعيش الفرد نائيًا عن بطش الدولة، يقرأ مع الصباح الباكر نقدًا لاذعًا للحكومة التي أخفقت في التعامل مع تدهور الخدمات الصحية، وانخفاض مستوى التحصيل العملي لدى الطلاب، ويتناول سماعة الهاتف ليشارك باسمه الحقيقي ناقدًا وبقوة رئيس الوزراء على قرار سياسي لم يراه صحيحًا، وإن كان هذا الفرد البريطاني ممن حظي بجواز السفر الأحمر الذي جعله"بني آدميّ"بعد أن كان معدوم الشخصية والكيان بجواز سفره القديم، أقول إن كان حاله كذلك، ازداد التماس العذر له في القناعة بالنظام الديمقراطي، لا سيما حينما تجول به الذاكرة ليتذكر ذلك اليوم الذي بحث فيه عن علاج مناسب لابنه المريض، فداخ سبع دوخات، وفشل في الحصول عليه حتى بعد المعاناة الطويلة، وفي خضم تلك المعاناة يقرأ في الجريدة اليومية عن تقدم الخدمات الصحية المتميزة في بلاده، وبذل الدولة والقائمين عليها للقطاع الصحي، ثم يفتح المذياع، ليستمع للاتصالات المتصلين التي لم تلك نفسها إلا أن ترسل باقات الشكر لقيادة الدولة، ووزارة الصحة لسهرهم على راحة المواطن !!.

أظن أن الدول الغربية أحرص من نظمنا القمعية على بقاء الأخيرة في السلطة، إذ بقاء تلك النظم، هو مسوغ الإعجاب بالغرب وبنظمه، وهو أس الهزيمة العقدية، والفكرية، والنفسية التي تعاني منها أمتنا، كما أنه كذلك سبب رئيسي في بعد المسلمين عن الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت