فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جدًا سموا: (الغرباء) فإنَّ أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهلُ السنةِ الذين يميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين أشدَّ هؤلاء غربة، ولكن هؤلاءِ هم أهل الله حقًا، فلا غربة عليهم، إلى أن قال: وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكان، ووقتٍ دون وقت، وبين قومٍ دون قوم) ( [6] ) .
كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على حديث الغربة:
يعلق- رحمه الله تعالى- على الحديث فيقول:
(لا يقتضي هذا أنَّهُ إذا صار غريبًا يجوز تركه- والعياذ بالله- بل هو كما قال الله تعالى:(( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) [آل عمران:85]
وقال تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام ) ) [آل عمران:19] .
وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) [آل عمران:102] .
ولا يقتضي هذا أنَّهُ إذا صار غربيًا أنَّ المتمسك في شر، بل هو أسعد الناس، كما قال في تمام الحديث: (( فطوبى للغرباء ) ).
(وطوبى) من الطيب؟ قال تعالى: (( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ) [الرعد:29] .
فإنَّهُ يكونُ من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوهُ لما كان غريبًا، وهم أسعد الناس، أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجةً بعد الأنبياء- عليهم السلام-.
وأما في الدنيا؛ فقد قال- تعالى-: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الأنفال:64] .
أي: أنَّ اللهَ حسبكَ وحسب متبعك، فالمسلم المتبع للرسول - صلى الله عليه وسلم -
الله حسبهُ وكافيه، وهو وليهُ حيث كان ومتى كان، ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام في بلاد الكفر لهم السعادة كلما كانوا أتم تمسكًا بالإسلام، إلى أن قال: وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزع، وكلَّ، وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهيٌّ عن هذا، بل هو مأمور بالصبر، والتوكل، والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هُم محسنون، وأنَّ العاقبة للتقوى، وأنَّ ما يصيبهُ فهو بذنوبهِ فليصبر، إنَّ وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( ثم يعود غريبًا كما بدأ ) )يبين شيئين:
أحدهما: أنه في أمكنةٍ وأزمنةٍ يعود غريبًا بينهم ثم يظهر؛ كما كان في أول الأمر غريبًا، ثم ظهر، ولهذا قال: (( سيعود غريبًا كما بدأ ) ).
وهو لما بدأ غريبًا، لا يعرف، ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يعرف، ثم يظهر ويعرف؛ فيقل من يعرفهُ في أثناء الأمر؛ كما كان من يعرفه أولًا.
ويحتمل أنَّهُ في آخر الدنيا لا يبقى مسلمًا إلاَّ قليل، وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة، وحينئذٍ يبعثُ الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ثم تقوم القيامة.
وأمَّا قبل ذلك؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة ) ).
وهذا الحديث في (الصحيحين) [7]
ومثله من عدة أوجه، وهذا الحديث يفيد المسلم أنَّهُ لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكونُ في شكٍ من دين الإسلام كما كان الأمرُ حين بدأ، وقد تكون الغربة في بعض شرائعه وقد يكون في بعض الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا. 00) [8] أ.هـ.
كلام الشاطبي - رحمه الله تعالى - على حديث الغربة:
تحدث الإمام الشاطبي عن حالة الإسلام في أوَّل أمره، والغربة التي مرَّ فيها حتى ظهر وعلا على الدين كله، فانقمع الشرك وأهله، ثم عرج على ظهور البدع بعد ذلك وانتشارها حتى رجعت غربة جديدة على الإسلام وأهله، ثم شرع يصف نفسه مع أهل زمانه، وكيف آثرَ إتباع السنة مع كثرة المخالف والخصوم على اتباع البدعة والضلال ، فقال- رحمه الله تعالى- وهو يصفُ غربته وغربة أهل السنة بين أهل زمانه:(فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس،فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها؛ إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل، وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال، عائذًا بالله من ذلك؛ إذا أنَّي أوافق المعتاد، وأعد من المؤلفين، لا من المخالفين.