فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن هذه المشكلة عرضها القرآن تباعًا ، وعرضها في المرحلة المكية ، وأشدد على ضرورة ملاحظة هذه الظاهرة في القرآن التي يغفل عنها معظم الذين يقرأون القرآن ، إن المرحلة المكية حفلت بالحديث عن اليوم الآخر مباشرة وابتداءً وكغرض مقصود ، قضايا اليوم الآخر أُبرزت على أنها غاية مقصودة في العرض والبحث والحجاج والمنافحة عنها ، ولكنك إذا قلبتَ صحف القرآن المدني فسوف تلاحظ أن موضوعات اليوم الآخر قلّما تُعرض على أنها قضايا مقصودة بالذات ، تأتيك تبعًا في نهاية آيات الأحكام ، في نهاية التوجيهات التي يُطلب من المسلمين أن يتقيدوا بها ، تذكر المسلمين باليوم الآخر وبالمصير إلى الله جل وعلا ، وتنبهوا إلى أن آخر آية نزلت من القرآن ذكّرت باليوم الآخر على هذا النحو المقتضب جدًا وهي قول الله تعالى ( واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) هنا يحق لنا أن نسأل ولماذا ؟ والجواب يتطلب منا أن نعرف وجهة الإسلام في علاج مشكلات الجنس البشري وفي علاج القضايا الإنسانية حالًا ومآلًا ، لو أننا نعالج أمرًا ذا صفة جزئية لكان هينًا لأن تعطى جملة مختصرة من التوجيهات وينتهي الأمر ، لو كنا نعالج مشكلة محلية لكان هينًا لأن يتداعى العقلاء لحلها ولا حاجة لتدخل السماء ، لو كنا نعالج فترة زمنية محدودة لكان بحسبنا عدد قليل من الآيات تحصر مشكلات المرحلة وتضع لها الحلول ، لو كنا نعالج أناسًا بلا حس وبلا مشاعر وبلا دوافع وبلا عواطف لكان هينًا لأن تحل الأمور بأي سبيل ، لكن المشكلة التي واجهها الإسلام كما واجهتها الديانات الأخرى مع فارق أن الإسلام واجهها بعمق وبشمولية وجذرية ، هي مشكلة من غير هذه الطرز التي أعطينا أمثلة لها .
نحن حينما نريد أن نعالج وضعًا بشريًا فأمامنا عادة طريقان يمكن أن نختار أيهما شئنا ، يمكن أن نعالج مشكلات المجتمع الإنساني بالسوط والعصا ، وبقهر القوة ورهبة السلطان ، والإنسان إنسان محكوم بضرورات شئنا أم أبينا ، ذلك واقع لا يمكن تجازوه ، نحن بشر ولسنا ملائكة ، والإنسان حينما يوجه نحوه القهر بصورة مستمرة ومستديمة وقاسية فسوف يسير في الطريق الذي يراد أن يسير فيه ، يمكن ذلك . لكن تجربة البشرية تقول إن قبضة السلطان تتراخى باستمرار ، وإذا كانت القضية بهذا الشكل فما لم يكن مستقبل الإنسانية مضمونًا بضمانة القناعة الإنسانية فإن ضمانة القهر والسلطان قاصرة عن أن تحافظ على استمرارية المثل ودوام السير بالنسبة لهذا الركب الإنساني . فهي إذًا طريقة فاشلة ، وإن كان هي الطريقة المعتمدة للأسف في هذه الأيام أن يحمَل الناس حملًا على ما يراد بهم ولهم دون أن يقام وزن لقناعاتهم ، لأن الناس انفصلوا عن هداية السماء وجهلوا تمامًا فلسفة الإسلام في البناء الإنساني . هذا خيار ، ورأينا أنه فاشل عقلًا كما هو فاشل تاريخيًا كما هو فاشل في الواقع اليومي المعاش ، ليس أمام الإسلام من طريق يسلكه ، وهو كلمة الله الأخيرة للناس ودعوته الشاملة إلى الجنس البشري ، إلا أن يسلك الطريق الآخر وهو أن يضع الجنس البشري بضمانة القناعة الإنسانية ، والقناعة ليست كلمة تلقى في الهواء ، ولكنه تعامل مستمر مع الواقع الذي يتحرك بالناس ويتحرك به الناس ، والقناعة مجموعة من التراكمات المحسوسة وغير المحسوسة ، والمباشرة والتبعية ، والقناعة حصيلة تجارب عمر يعيشها الإنسان فردًا ويعيشها الإنسان جماعة ، ومن اللجاجة في الفكر أن يتعجّل الناس النتائج لهذه التجارب ، لا بد من التأسيس انطلاقًا من هذه الوجهة الإسلامية الصافية .
نستطيع الآن أن نواجه قضايا اليوم الآخر ، كما نواجه كل القضايا الهامة والرئيسية في الإسلام بالصبر وبالأناة ، لكن سبق أن قارنا لكم سابقة بين سورة القارعة التي عرضت صور اليوم الآخر عرضًا إن صح أن نسميه باصطلاحات العقل عرضًا فيه برودة وجفاف العقل ، فالأمر كذلك ، وعرض المشكلة بهذا الشكل أثار لدى المكيين ردود أفعال فتساءلوا .