فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وبعض المفسرين وفي بعض روايات السير أن هؤلاء الآيات نزلت في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، فأبو بكر كان كما تعلمون في الجاهلية تاجرًا ، وكان محبوبًا من قومه ، رجل أوتي من اللطافة والكياسة ما يجعله قريبًا من كل قلب ، فلما دخل الإيمان قلبه سخّر ماله كله لخدمة الإسلام ، كان يمر ويرى قريشًا قد وثبت بالضعفاء ويرى المشركين يعذبون عبيدهم العذاب الواصب ، ماذا يملك لهم أبو بكر ؟ لا يملك لهم إلا أن يشتريهم ، يذهب إلى صاحب العبد فيساومه على العبد ويشتريه منه بالغًا ما بلغ الثمن ، فإذا اشتراه أعتقه وحرره لوجه الله جلّ وعلا وخلصه من هذا العذاب ، أعتق أبو بكر رضي الله عنه عددًا من هؤلاء العبيد ، وكما قال عمر رضي الله عنه: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا ، والسيد الثاني هو بلال رضي الله عنه ، يروى في بعض الروايات أن بلالًا هذا كان عبدًا لأمية بن خلف وكان يطرح على صدره الصخرة العظيمة بعد أن يجرده من ثيابه ويلقيه على رمال الجزيرة العربية الحارقة ، ثم يأمر الصبية فيسحبوه على الرمال وهو على هذه الحالة ، ويقول له: ستبقى هكذا حتى تكفر بمحمد . فلا يزيد بلال على أن يقول: أحد أحد ، فيقول له: دع أحد أحد فليخلصك ، مر أبو بكر فرأى هذا المنظر فهانه ، فذهب إلى أمية وقال له: يا أمية إن هذا لا يحل لك ، حرام ، فقال له: فإن استطعت فخلصه ، يقال إن لأبي بكر عبدًا بالغ النشاط اسمه نسطاس رومي فجاء فأعطاه نسطاسًا وأخذ منه بلالًا ، وقال إنه اشتراه بحر ماله ، ويقال إن هؤلاء الآيات نزلت في هذا الشأن بعد أرجف الكافرون بأن أبا بكر رضي الله عنه اشترى بلالًا وأعتقه لسابق يد وفضل كان لبلال عنده ، فأبان الله جلّ وعلا أن أحدًا من الناس ليست له عند أبي بكر نعمة يريد أبو بكر أن يجزيه بها ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، ولسوف يرضى ) .
وأبو بكر رضي الله عنه أعتق ستة أو سبعةً من هذا القبيل ، ولقد لامه أبوه ذات يوم قال له: يا بني إنك إذ فعلت ما فعلت فلو أنك أعتقت رجالًا جلدًا اشترِ شبابًا وأعتقهم يمنعونك ، يفكر أبوه أن المسألة مسألةً جاهلية ، وأن أبا بكر يريد جموعًا يتعزز بها وتقاتل دونه ، قال: يا أبتي إنما أفعل ما أفعل ابتغاء مرضاة الله جلّ وعلا . هذه رواية لا أدري مبلغها من الصحة ولكني أتصور أنه ربما كان لها مدخل في الواقع ، لكن الشيء الذي يمكن أن نقطع به أن هذا الإسلام حينما بدأ يأخذ طريقه واجه ظاهرة غريبة ، ماذا تظنون ؟ هل يتخلى الأب عن ابنه ؟ هل تتخلى الأم عن ولدها وفلذة كبدها ؟ في الحالة العادية لا ، لكن حينما بدأ المسلمون يدخلون في دين الله وُجدت هذه الظاهرة في المجتمع المكي ، كان الأب يتخلى عن ابنه ، وكانت الأم تتخلى عن ابنها لمجرد أن يسلم ، تكاثر هؤلاء الناس وأصبحوا عددًا هائلًا ، أين كانوا يذهبون ؟ كانوا يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وُجد ما يشبه المجتمع المصغر ، انتبه ، إن الدعوة حينما تأخذ طريقها إلى البروز ، وتبدأ بظاهرة الانتشار تشكل مجتمعًا وليدًا ، هذا المجتمع دائمًا له احتياجات ، دائمًا وأبدًا منذ هذه اللحظة نرى أن الله جلّ وعلا يمتدح الذين يؤتون أموالهم ، الزكاة ما فرضت بعد ، الزكاة فرضت في المدينة ، ولكنا هنا نلاحظ أن الله جلّ وعلا يستغرق بالإيتاء جميع المال ( الذي يؤتي ماله ) كل ماله يتزكى ، فمرحلة الدعوة الأولى خلافًا لما يتوهم كثير من الناس من الذين ينظرون في قواعد الدعوة وقوانينها ، في المراحل الأولى الدعوة محتاجة إلى كل نشاطك ، ومحتاجة إلى كل مالك ، ومحتاجة إلى كل مجهودك ، وأما بعد الاستقرار فيا أخ الدعوة لا تكلفك إلا القليل وأقل من القليل ، أما في المراحل الأولى فاعرف أنك دخلت مع الله في صفقة بيع ، بعته نفسك .
فهذه الظاهرة ننص عليها الآن ونؤكد عليها ولا نفصل بها ، ولكنا نقرر أن الدعوة في مرحلة معينة من مراحل النشاط والانتشار تبلغ حدود المجتمع المصغر ، الذي توجد له احتياجاته ومتطلباته ومستلزماته ، وفي هذه الحالة يجب أن يجند كل شيء لخدمة هذا المجتمع الوليد الذي سيأخذ على عاتقه مسؤولية السير بالدعوة إلى النهاية .
وفي السور المقبلة سوف نواجه كثيرًا من الإشارات والتوجيهات وسنزيدها تفصيلًا بإذن الله تبارك وتعالى وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين .