لقد تعجبت كثيرًا كما تعجب غيري من زعم البعض هدانا الله وإياهم سبل الرشاد أن الحاكم الذي يشرِّع دستورًا ويسن قانونًا على غرار دساتير وقوانين الكفار ويحكم به وينبذ شرع الله وراءه ظهريًا لا يكفر مثلًا إلا إذا اعتقد ذلك بقلبه؛ وكان تعجب الإمام ابن الوزير اليماني - رحمه الله - من إحدى فرق المعتزلة وهم"البهاشمة"9 أشد حين لم يكفِّروا النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، مع نص القرآن بتكفيرهم، حيث قال:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة"10، إلا إذا اعتقدوا ذلك بقلوبهم11، وأعجب من هذا وذاك نسبة هذا المعتقد لأهل السنة والجماعة.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كما نشر في مجلة الفرقان الكويتية العدد"94": (الذبح لغير الله، والسجود لغير الله، كفر عملي مخرج من الملة، وهكذا لو صلى لغير الله فإنه يكفر كفرًا عمليًا أكبر والعياذ بالله وهكذا إذا سب الدين، أوسب الرسول، أواستهزأ بالله ورسوله، فإن ذلك كفر عملي أكبر عند جميع أهل السنة والجماعة) .
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء12 بالسعودية في رد على سؤال: اعتبار تارك الصلاة من غير جحود كافرًا كفرًا عمليًا، والكفر العملي لا يخرج صاحبه من الملة إلا ما استثنوه من سب الله - تعالى -وما شابهه، فهل تارك الصلاة مستثنى؟ وما وجه الاستثناء؟
فأجابت: (ليس كل كفر عملي لا يخرج من ملة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملة الإسلام) .
ما هو من الأقوال والأعمال والاعتقاد كفر
عندما يُطلق الكفر يراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة، الكفر الأكبر مساوٍ للشرك الأكبر وللنفاق الأكبر وللردة.
نماذج الكفر القولية والعملية و الاعتقادية، الفعلية والتركية، لا تحصى كثرة.
فإجمالًا: يكون الكفر إما بإثبات ما نفاه الله ورسوله أو بنفي ما أثبتاه، وبعبارة أخرى بإنكار كل ما هو معلوم من الدين ضرورة.
وتفصيلًا: من أمثلة الكفر التي توصل إليها أهل العلم بالاستقراء، والتي تعرف بنواقض الإسلام، ما يأتي:
1.الدعاء والاستغاثة بغير الله - عز وجل -.
2.اتخاذ الوسائط بين العبد وبين ربه، نحو قول أحدهم: اللهم إني أسألك بجاه فلان؛ قال - تعالى -موضحًا سبب شرك وكفر الأوائل:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". 13
3.موالاة الكفار والمشركين.
4.التحاكم لغير شرع الله، فالحاكم - وكذلك القاضي - الذي يحكم بغير ما أنزل الله يكفر، إلا في حالين، هما:
(1) الخطأ في الاجتهاد في الوصول إلى حكم الله - عز وجل -.
(2) الحياد عنه لقرابة أو رشوة في قضية معينة، مع يقينه بأنه الحق.
ففي هاتين الحالتين يكون كفره كفرًا أصغر، أما ما سواهما فكفره أكبر14.
يخطئ خطأ فاحشًا من ينزل قول ابن عباس - رضي الله عنهما:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه"، على كثير من حكم المسلمين بعد سقوط الدولة العثمانية، وجثوم الاستعمار على صدر الأمة، وإقصاء شرع الله إلا في دائرة الأحوال الشخصية، حيث استبدل الذي هو أدنى الدساتير والقوانين الوضعية بالذي هو خير، شرع الله - عز وجل -.
5.تعلم أنواع من السحر، نحو ما يعرف بالصرف والعطف، أو الحل والعقد، وما شابهه، والإيمان به، وغشيان محترفيه، وتصديقهم فيما يقولون.
6.من لم يكفِّر الكفار، نحو اليهود، والنصارى، والشيوعيين، والجمهوريين، أوشك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم فقد كفر، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
7.الإعراض الكلي أو الجزئي عن دين الله - عز وجل -.
8.اعتقاد أن بعض الناس يمكنهم الاستغناء عن شرع محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو تسقط عنهم بعض التكاليف الشرعية.
9.الاستهزاء والسخرية بالله، وآياته، ورسله، وملائكته، تصريحًا أو تلميحًا.
10.استحلال ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحل الله.
11.إباحة الردة وإنكار حدها.
12.الدعوة إلى مساواة الأديان السماوية بعد تحريفها وتبديلها ونسخها بشريعة ولد عدنان.
13.سب الله، والرسل، والملائكة، والدين، تصريحًا أو تلميحًا.
14.الانتساب للأحزاب الكافرة والعلمانية.
15.تكفير أو تضليل جماعة الصحابة.
16.التجسس لصالح الكفار، والقتال تحت رايتهم.
17.رمي عائشة - رضي الله عنها - بما برَّأها الله منه.
18.من ادعى النبوة أو أنه يوحى إليه، ومن صدقه.
19.اعتقاد أن أحد المخلوقين ينفع ويضر أو يعلم الغيب.
أقوال أهل العلم والفتوى في ذلك
• سئل الشافعي المتوفى 204هـ، - رحمه الله - عمن هزل بشيء من آيات الله - تعالى -، فقال: (هو كافر؛ واستدل بقوله - تعالى:"قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"15) . 16