فهرس الكتاب

الصفحة 7757 من 27345

والحقيقة المؤكدة: أنه لا يوجد كاتب محايد ولا متجرد من الأهواء وسيطرة رؤى معينة عليه ينظر للحياة من خلالها ويفسر الأحداث على ضوئها , وسوف يفرغ ما في عقله من أفكار وتصورات في نسيج الرواية ويصوغها وفق ثقافته ورؤيته للحياة , والنتيجة كما ذكرنا خروج روايات تحمل أفكارًا ورؤى فاسدة وتطرح حلولا ً أكثر فسادًا , والشيء من مستنبته لا يستغرب , فالمتأمل في أفكار وحياة وتوجهات هؤلاء الذين صدرت عنهم هذه الروايات لا يجد غرابة بعد ذلك , فهم مقطوعو الصلة بأمتهم , والكراهية بينهم وبين مجتمعاتهم متبادلة ينفرون من مجتمعاتهم ويكرهونها وينبذونها ومجتمعاتهم تبادلهم نفس الشعور هذا إن عرفتهم و إلا هم غالبًا مجهولون ويعيشون في دوائر مغلقة هي كل مجتمعهم ويظنون أنها كل الدنيا ويصورون من خلالها الحياة.

وتنظر في الرواية تجدها خالية من المبادئ والقيم وكثيرًا ما تخلوا حتى من القيمة الفنية وما أكثر الروايات التي من هذا الطراز.

فهذا محمد شكري في روايته الهابطة"الخبز الحافي"وهي سيرة ذاتية يصور فيها مدينته وكأنها ماخور كبير تكثر فيه البغايا وينتشر فيه الشذوذ بأنواعه وعلب الليل والخمور والمخدرات وكل آفة ورذيلة ولا نستغرب بعد ذلك الاحتفاء الغربي بالرواية وترجمتها لأكثر من لغة, كما لا نستغرب صدور هذه الرواية من رجل كانت حياته كلها في الفسق والضياع باعترافه هو,ولكن نستغرب احتفاء المثقفين العرب به .

وبروايته التي تعطي صورة مشوهة عن تلك المدينة العربية الإسلامية وناسها الذين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكونوا جميعا ً بتلك الصورة المشينة التي صورها الكاتب, وتعال إليه وهو يحطم صورة الأب ويسمه بالإجرام والنذالة وتشويه صورة الأب سنة دارجة عند كثير منهم ليقضوا على كل خلق وقيمة ونظام وهذه يمثلها ويحافظ عليها عادة الأب.

وهذا نجيب محفوظ في"خان الخليلي"يصف المرأة البغي بأنها هي المرأة الحقيقية لأنها خلعت عن وجهها قناع الرياء وظهرت بطبيعتها وحقيقتها فلم يعد هناك داع لإدعاء العفاف والطهر والشرف والوفاء , وكأن الشرف والطهر عندهم دائما زيف ونفاق , وهم إذا لم يعرفوه فهناك من يعرفه وهم كثير بفضل الله تعالى .

أما تركي الحمد في ثلاثيته فيقدم مجتمعًا منافقا يتدثر بالعفاف , ولكنه في حقيقته يمارس الرذيلة بأبشع صورها , ثم قام بحشر الجنس في روايته حشرًا بمناسبة وغير مناسبة , كما أنه ملأ روايته بالألفاظ المقززة المتعفنة وكأنك تعيش في مزبلة حقيقة ومعنى .

وفي رواية"التفكك"لرشيد بو جدرة: تثور المرأة على الوضع المتدني ـ في نظره ثورة عارمة كاسحة تزيح في طريقها الأعراف كلها وتحطم المواضعات وتتحدى الوضع البيولوجي للمرأة ,فهو يحكي لنا عن سالمة المتعلمة التي تشرف على المكتبة الوطنية وتدخن علبتي سجائر في اليوم , وتطالع الكتب والمجلات وتحمل في يدها صفيحة من أقراص الحمل , تعشق ثم تندم , وتقطع العلاقة كلما شعرت بأن صاحبها قد بدأ يتعلق بها وبعد أن فقدت صديقها الطاهر الغمري صارت حرة طليقة , ترجع إلى البيت في ساعة متأخرة , تفكر في أن تمارس الجنس مع صديقها الوحيد , وتقول في عناد وتحد ومحاورة مع نفسها: أكره الأمومة , وكل النساء أمهات وضعن لهذا الدور منذ الطفولة , وأنا الطائشة لن أكون أما ً (2) .

وهذا غيض من فيض , وكم بليت الرواية العربية بروايات لا تحمل من القيمة الفنية شيئًا, ولكنها في المقابل تتضمن أفكار التحرر والفساد والانحلال والنظرة المعادية للدين وأهله , ثم يأخذ لوبي النقاد العلماني دوره في نفخ الرواية وصاحبها وتلميعها حتى يصبح حديث المجالس والمنتديات والفضائيات , وتقدم الدراسة تلو الدراسة , والمقالة تلو المقالة لنقد هذه الرواية واعتبارها حدثًا ثقافيًا متميزًا , وربما استثاروا العلماء والدعاة حتى تنقد أو تمنع فترة من الزمان ليتهافت عليها القراء ويبحثوا عن سر نقدها و منعها , فإذا حصلوها بعد عناء وجدوها أقل بكثير من التلميعات التي صدرت بحقها .

ولعلنا نتلمس سمات عامة مشتركة بين أكثر الروائيين العرب:

1-الهوس بالجنس وجعله محور الحياة وقاعدتها الذي تدور حوله واعتباره قمة الإبداع الروائي وأي رواية تخلو من الجنس تعتبر باردة عقيمة خالية من القيمة في نظرهم .

( إن دخول الجنس في العمل الإبداعي موجود لدى جميع الأمم, ولكنه كان مستقلًا بذاته أي أنه شريحة وجزء من ثقافة الأمة له قراؤه وله محبوه , كما أنه له منكريه , وهذا أمر طبيعي , ففي الغرب أدب جنسي ولكنه جزء من أدب شامل له طقوسه وله خلواته , فلم أر في حياتي في الغرب راكبًا في القطار أو الباص أو الطائرة يقرأ كتابًا عن الجنس , بل لم أر أحدًا يقرأ مجلة جنسية مع وفرتها وانتشارها .

إن للحياة الراقية أدبًا راقيًا إذ لا يمكن أن تتحول ساحة الثقافة إلى حمام عام ولا إلى مبولة عامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت