فالمسألة إذن ـ باستثناء بعض الأعمال الفردية ـ ليست مسألة عمل نافع وعمل غير نافع، بل مسألة عمل نافع للطبقة الجديدة وعمل لا ينفعها أو يعارضها. فكل عمل يحقق مصلحة ومكسبًا للطبقة الجديدة فهو عمل مجيد يساهم في تطوير التاريخ، وكل عمل يحقق مصلحة الطبقة القديمة ويعمق وجودها الاجتماعي ويطيل من فترة صراعها واحتضارها.. فهو عمل رجعي دنيء ما دام لا يتفق مع الأهداف العليا التي تؤمن الماركسية بضرورة تحقيقها، وهي انتصار الطبقة الجديدة وسحق الطبقة القديمة التي تعارض في زحف التاريخ إلى الأمام. فالمصلحة والمنفعة الطبقية التي يحققها العمل هي المقياس الخلقي والأساس في تسعير العمل من الناحية المعنوية.
ولأجل ذلك قال لينين كلمته المشهورة: «لا وجود عندنا للآداب المعتبرة فوق المجتمع، أنها لأكذوبة سافرة، فالآداب خاضعة عندنا لمنفعة نضال الطبقة العمالية» .
وأما الاسلام: فهو يختلف في دراسته للمسألة، وفي النظرة التي يتبناها عما مرت بنا من نظرات. ومرد هذا الاختلاف إلى الفروق الجوهرية بين الأهداف العالية التي يرمي الاسلام إلى تحقيقها ويستوحي منها مفاهيمه الخلقية، وبين الغايات المحدودة التي تستهدفها مجتمعات رأسمالية ومادية.
فالاسلام يهتم بدوافع العمل لا بمنافعه، ويرى أنه يستمد قيمته من الدوافع لا من المنافع، فلا عمل إلا بنية، وما لم تتوفر النية الصالحة لا يكون العمل صالحًا مهما كانت منافعه التي تنشأ عنه. لأن الاسلام لا ينظر إلى المظهر الخارجي للعلاقات الاجتماعية فحسب، ولا يعني بالجانب الموضوعي من التعايش الاجتماعي وحياة الناس فقط، إيمانًا منه بأن هذا الجانب وذلك المظهر ليس إلا صورة عن حقيقة أعمق وأخطر تعيش في داخل الانسان. وما لم يتمكن المذهب من كسب تلك الحقيقة وتطويرها وصبها في قالبها الخاص، لا يستطيع أن يمتلك القيادة الحقيقية في المجتمع. فليس المهم في نظر الاسلام: أن يصنع علاقات اجتماعية بين الناس ذات جانب موضوعي نظيف، أي ذات منافع وفوائد في الحقل الاجتماعي، وإنما المهم أن يصنع انسانًا نظيفًا ويشيد علاقات نابعة من جوانب ذاتية مشرقة. وبكلمة واحدة فإن الاسلام يريد أن يصنع الانسان نفسه صنعًا اسلاميًا، فهو يتبنى لأجل ذلك تربية هذا الانسان، ويستتهدف قبل كل شيء تكوين محتواه الداخلي والروحي وفقًا لمفهومه، بينما تتخلى الرأسمالية عن هذه الوظيفة الأساسية وتترك الانسان ليصنع نفسه بنفسه، وتكتفي بتنظيم العلاقات بين الناس وتهتم بالنتائج والمنافع دون الدوافع الفكرية، والأرصدة الروحية التي تختفي وراء تلك العلاقات وتنعكس فيها.
وهكذا نجد: أن الاسلام يقيس قيمة الأعمال بالدوافع والمقدمات والاطارات الفكرية العامة التي تختمر بذرة العمل ضمن نطاقها، بينما يقيس غيره قيمة الأعمال بالنتائج والمنافع والمجالات الحياتية التي يساهم العمل في اصلاحها.
فالاطار الفكري العام الذي يقرره الاسلام هو: الايمان بالله واليوم الآخر. والدوافع هي: العواطف والميول الخيرة التي تنسجم مع هذا الاطار العام، وتندمج معه في وحدة روحية يتكون منها الانسان المسلم. والعمل الصالح هو: العمل الذي ينبثق عن هذه العواطف والميول ضمن الاطار العام.
وعلى هذا الأساس رفض القرآن رفضًا باتًا امكان المقايسة والمقارنة: بين العمل الذي يحققه الانسان ضمن الاطار الايماني العام، مندفعًا بالميول والدوافع الإلهية التي يحددها هذا الاطار. وبين العمل الذي يوجد بعيدًا عن ذلك الاطار وينبثق عن ميول ودوافع أخرى. فان هذا العمل لا يمكن أن يقارن في المفهوم القرآني بذلك العمل. مهما كانت نتائجه ومنافعه: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) .
وقد جاء في تفسير الآية الكريمة وسبب نزولها: ان شيبة بن عبدالدار والعباس بن عبدالمطلب افتخرا بعملهما الاجتماعي في حماية الكعبة ورفادة الحاج، فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة فنحن خير الناس بعد رسول الله (ص) ، وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فنحن خير الناس بعد الرسول (ص) ، ومرّ بهم أمير المؤمنين علي (ع) وهما في فورة عاطفية، فحدثاه بحديثهما معبرين بذلك عن مقاييس الجاهلية ومفاهيمها الخلقية، فابتدرهما هذا الرجل القرآني المدرّب على مفاهيم القرآن واستيعابها في واقع الحياة قائلًا: ألا أدلكما على مَن هو خير منكما؟ قالا له: ومَن هو؟ فقال: هو الذي أدخلكما في الاسلام وآمن بالله وجاهد في سبيله. ولم يرق هذا للعباس وشيبة فاحتكموا عند النبي (ص) ، فأنزل الله الآية المباركة ليؤكد أن العمل في اطار الايمان وبدافع إلهي لا يمكن أن يقارن بأي عمل آخر خارج هذا النطاق مهما بدا عظيمًا، لأن قيمة العمل تنبثق من اطاره ودوافعه لا من مظهره الخارجي نتائجه.