فهرس الكتاب

الصفحة 4714 من 27345

ولأجل هذا أيضًا حرم الاسلام الرياء، واعتبر العبادة التي يجردها العابد عن الاطار الايماني والدوافع الإلهية جريمة وشركًا، مهما كان أثرها في المجتمع أو لونها الظاهري. فليس من الغريب ـ بعد هذا أن ينقلب عمران المسجد عملًا باطلًا وساقطًا، حين يكون هذا العمران بعيدًا عن الاطار والدوافع الايمانية، كما نجد في قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إنما يعمر مساجد الله مَن آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) .

وكذلك حث الاسلام على صدقة السر والتكتم ببعض ألوان البر، حرصًا منه على توفير المقومات الأساسية للعمل الصالح، فهو يطلب من الفرد أن يبتعد بعمله الصالح عن مجالات الاغراء ليتأكد من صلاحه وسلامة رصيده الروحي ومدلوله النفسي، بينما نجد المجتمعات الغربية أو غير الاسلامي في سلوكها الحياتي والنفسي تحشد كل وسائل الاغراء لدفع الناس إلى الأعمال المفيدة، حتى يفقد العمل المفيد كل قيمة خلقية في ضجة الاغراء المحموم. والسبب في هذا أنها لا تملك دوافع روحية حقيقية كالدوافع التي يمكلها المجتمع الاسلامي الصحيح، الذي يؤمن بربه ومعاده وارتباط الدنيا بعالم الآخرة. ومن هنا كانت القيم الخلقية مرتبطة تاريخيًا بالدين منذ أبعد أدوار الحضارة البشرية إلى يومنا هذا.

وفي هذا الضوء الاسلامي قد يكون العمل الضئيل التافه في مظهره الاجتماعي أرفع وأسمى من عمل جبار يدوي له التاريخ، قد تكون هذه الخفقة التي يخفق بها قلبك شفقة على الأعمى حين تجده يتسكع الطريق فتأخذ بيده لترشده السبيل طلبًا لرضا الله.. أفضل ألف مرة من تضحية يترتب عليها أهم المصالح الاجتماعية، يدفعك إليها دافع من الدوافع المادية بعيدًا عن الاطار الاجتماعي العام.. (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين) .

وبهذا يفتح الاسلام السبيل أمام أي فرد، مهما كانت امكاناته وقدرته على النفع الاجتماعي والعمل النافع للارتقاء إلى أسمى درجة في .. سلّم النفس البشرية ومراحل كمالها الروحي، ويفرض على المجتمع أن يقيم تقديراته للأشخاص على مقدار ما تكشف عنه الأعمال من أرصدة روحية ونفسية، لا على المظاهر الخلابة الخاوية مهما بدت عظيمة.

وقد يتبادر إلى بعض الأذهان: أن العرف غير الاسلامي في تقدير الأعمال أكثر واقعية من العرف الاسلامي الذي يقرره القرآن، لأن المهم قبل كل شيء توفير مصالح المجتمع وحماية هذه المصالح. فكل عمل كان يواكب هذا الهدف فهو عمل مجيد من مصلحتنا جميعًا أن نقدره ونمجده لنشجع على الاتيان بمثله، وماذا يهمنا ـ بعد أن نصل عن طريقة إلى مكاسب موضوعية ـ الدافع الذي يختفي وراءه والظروف النفسية التي اكتنفت تصميم العامل على العمل؟! إن الشيء الجدير بالتقدير حقًا هو أن يشيد الغني مدرسة لأبنائنا، لأن هذا التقدير والاعجاب سوف يشجعه في عمله فتتضاعف مكاسبنا، ولا يهمنا أن يكون لهذا الغني طمع شخصي يدفعه، ما دام هذا الطمع يدفعه إلى فعل الخير وخدمة المجتمع.

ولكن نظرة سطحية كهذه: تقف عند ظواهر الأعمال ولا تغوص إلى الأعماق، تختلف مع طبيعة الرسالة الاسلامية من ناحية، ومع مفهوم الاسلام من الارتباط الكامل بين العمل ورصيده الروحي والفكري من ناحية أخرى.

فمن الناحية الأولى: ليس الاسلام مجرد تنظيم للسلوك الخارجي، وإنما هو رسالة تهدف إلى صنع الانسان قبل كل شيء ومنحه الحياة الجديرة به (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) .

فالاسلام يريد أن يعطي للانسان حياة لا سلوكًا فحسب، ولا يمكن لرسالة هذه طبيعتها أن تترك المحتوى الداخلي للانسان وتنظر إليه من مظهره الخارجي فحسب.

ومن الناحية الأخرى: ينظر الاسلام إلى العمل بوصفه التعبير الخارجي عن الاطار الروحي والجو الفكري الذي نمت فيه بذرة العمل، فلا يمكن أنى جرد عن طابع ذلك الاطار ومزاج ذلك الجو. ولا ينكر الاسلام بطبيعة الحال: أن العمل الذي ينشأ عن اطارات وفي أجواء فكرية وروحية غير صالحة قد يكون عملًا مفيدًا ونافعًا، بالرغم من كونه عملًا ناشئًا عن طمع شخصي أو غرض خبيث.. ولكننا إذا سمحنا لتلك الاطارات والأجواء غير الصالحة أن تنمو وتترعرع، في ظل قيم ومقاييس خلقية كهذه التي تسود العرف غير الاسلامي.. فمن يضمن لنا أنها سوف تدفع الفرد إلى العمل المفيد والنافع دائمًا؟! وكيف يمكن أن نترقب حينئذ هذا العمل المفيد والنافع إذا كان يتعارض مع مصالح الفرد الخاصة وأغراضه العاجلة؟!

وهكذا نعرف أن ربط العمل بالمحتوى الداخلي هو الطريقة الواقعية التي تضمن استمرار العمل المفيد وتنميته والتشجيع عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت