وعندما انحسر المسلمون، وقد أعجبتهم قوتهم وعددهم، لا يلوي أحدٌ منهم على أحد في كمين العدو لهم في حُنين، تقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه آنذاك؛ ليعلن للناس جميعًا مسلمين وكفارًا أن أمر هذه الدعوة قائمٌ مهما انحسر عنه الناس، وأن راية الحق أبدًا مشرعة مهما انكسرت لجندها شوكة، فأخذ صلى الله عليه وسلم يدفع بغلته نحو الكفار، وهو ينادي:
[أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ] رواه البخاري و مسلم .
عندها كان النصر، وعندها جلجلت كلمة الحق، أما ما كان بعد ذلك من اجتماع كتائب الحق على كلمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقهر عدوهم فلم يكن إلا ترجمة لهذا النصر، وثمرة من ثماره ليس إلا.
وليس هذا النصر الذي نتحدث عنه ظاهرة عابرة في تاريخ أمتنا، بل هو جزء لا يتجزأ من مسيرة كلمة التوحيد عبر العصور.
فلقد انتصرت كلمة التوحيد من قبل حين سمت أرواح الموحدين فوق حضيض الدنيا، ورضيت بأن تحرق أجسادها في أخدود الكفر؛ لتحلق أرواحها في سماء التوحيد، ولتتعانق في حواصل طير خضر في سماء الجنة.
إن سورة البروج في القرآن ليست تسجيلًا لمذبحة لا يسعنا سوى التألمُ لحال أصحابها.. كلا!
إن سورة البروج تسجيلٌ لانتصارٍ تاريخي لكلمة التوحيد على شرذمة الكفر.. نعم لقد قهر أصحاب الأخدود أجسادَ الموحدين وأحرقوها، لكنهم لم يهزموا ولا نفسَ طفلٍ واحد منهم!
وليس القول بانتصار الموحدين يومها ضربًا من المبالغة، أو تطييب الخواطر.. كلا، بل هو والله الانتصار الحقيقي، وأي انتصار لأهل التوحيد أعظم من شهادة الله تعالى لهم بالإيمان، وأي هزيمة على الكفار أشد من تربص عذابِ الحريق بهم، وأي حريق!
وقل مثلَ هذا في لقطات الانتصار التاريخية لكلمة الحق على الباطل:
-فلقد انتصرت كلمة الحق من ذي قبل حين قال هابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [28] } [سورة المائدة] .
-وانتصرت كلمة الحق حين قالت: {...هَيْتَ لَكَ...} فقال الكريم بن الكريم بن الكريم: ...قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [23] } [سورة يوسف] .
-وانتصرت كلمة الحق حينما قال سليمان عليه السلام:أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [36] } [سورة النمل] .
-وانتصر الحق أيضًا يوم أن قذف الله تعالى نور الإيمان في قلوب سحرة فرعون، فإذا أنصار الباطل بالأمس شهداء الحق اليوم: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [70] } [سورة طه] . ولعل الانتصار قد بلغ ذروته حين استخف المؤمنون الجدد بعذاب الدنيا لما لاقوه من حلاوة الإيمان: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [72] } [سورة طه] .
نعم.. هذه مواقف من الانتصار على النفس حيث مُنعت ولُجِمت عن التعدي على الدم المعصوم والفرج الحرام والمال غير المستحَق والمنصب والجاه الفارغين، فسِجل هذه الأمة سجل حافل بالانتصار بل هو سلسلة متصلة من الانتصار، أثمر غلبةً عسكرية، أم لم يثمر.
وإن المتأمل في طبيعة النصر الذي قدمنا نماذج منه ليدرك أن حقيقة الأمر ومداره على التمسك بالحق مهما كان الثمن، والثقة بوعد الله مهما تأخرت الثمرة: ولهذا فإني أقول إن مشهد النصر الحقيقي لم يكن في قوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ... [251] } [سورة البقرة] . بقدر ما كان في قوله تعالى:... إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ... [249] } [سورة البقرة] .
نعم هنا كانت معالم النصر لأقوام، ومعالم الهزيمة لآخرين:... فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ... [251] } [سورة البقرة] .
وهؤلاء القليل هم الذين تعول عليهم أمة الإسلام في كل زمان ومكان:أما عند الغلبة العسكرية والظهور والتمكين، فما أكثر المسلمين حينذاك، وما أكثر من يحبون الدين آنذاك، ولكن شتان بين من أحب الدينَ والدين غريب، وبين من أحب الدينَ والدين تجبى إليه ثمرات كل شيء، وهذه هي حقيقة النصر.
من:'حقيقة النصر' د.وسيم فتح الله