العالم انطلق في أجواء الفضاء يشقُّها ، ورمى بيننا ما يشغلنا عن حقيقة النمو والتطور والتجديد . شُغِلنا قرابة قرنين بمثل هذه القضايا حتى أصبح التجديد يعني"التبعيّة العمياء"للغرب في قضايا لا تبني مستقبل الأمة . كلُّ الصراخ والدويّ من أجل اتباع الغرب أورثنا نماذج الملابس وقشور الفكر واضطراب الرؤية . والعجيب العجيب أننا لم نحرص على أن يكون التجديد هو إعداد القوة ونمو الصناعة وامتلاك أسبابها ، حتى ظل العالم الإسلامي بصورته العامة واهيًا متخلفًا لم يسعفه شكل القصيدة ، ولا ما يسمى بالشعر الحرّ ، ولا شعر التفعيلة ، ولا مساواة المرأة بالرجل ، ولا شعارات الديمقراطية وغيرها ، وإنما زادت الخلافات حول هذه القضايا ، وبقى المسلمون في وهن وهزائم وخذلان !
قبل أن نحدّد موقف الأديب أو الشاعر أو المفكر من التجديد أو التقليد يجب أن نحدّد ما هو المقصود بالتجديد والتقليد ، وأن نحدّد ميزان ذلك ومراجعه .
أهل الحداثة اتّبعوا مذاهب الغرب العلمانيّ وحداثته ، واعتبروا ذلك هو التجديد وهو ميزانه . اتبعوه في تبعيّة عمياء ، حتى في ما يخالف الإسلام صراحة . وحاربوا كل قديم في أمتنا بنصوص صريحة ، ومن بينها الدين واللغة ! وأعلن بعضهم كلمة الكفر صريحة مدوّيّة . ولكنهم استثنوا من القديم كله أساطير اليونان وخرافاته التي ظلت تمثل محورًا في أدبهم وفكرهم ، وفي الفكر الغربي العلماني . ولقد أثر هذا الاتجاه في واقعنا ، حتى أصبح بيننا من يدّعي محاربة الحداثة ، ولكنه في حقيقة أمره تابع لها ناشر لمذاهبها ، أو يدّعي محاربة الغرب والعلمانية ، ولكنه تابع للعلمانية فكرًا وعاطفة سواء أدرك ذلك أم لم يدرك .
في مؤتمر إسلامي كان موضوع المحاضرة"الإسلام مطابق للعلمانيّة في مقاصده". كان عدد الحضور يزيد عن عشرة آلاف مستمع . وضرب المحاضر أمثلة على تطابق المقاصد فقال: الإسلام يبيح الزواج بأكثر من واحدة ، القانون الغربي هنا يمنع الزواج بأكثر من واحدة ، ولكن الإسلام لا يفرض عليك الزواج بأكثر من واحدة ، فالتشريعان متطابقان . والإسلام يحرّم الخمر والغرب العلمانيّ يبيح الخمر ، ولكنه لا يفرض شرب الخمر ، فالتشريعان متشابهان .
ولم يقف الأمر عند مجرّد محاضرة مثل هذه المحاضرة وأمثالها كثير ، ولكنها كانت مقالات صريحة وحوارًا طويلًا حول ذلك حملتها مجلة المجتمع ، ورددتُ عليها ، واستغرق الحوار زمنًا حتى توقف .
والأمر لم يقف عند محاضرة أو مقالة أو حوار ، ولكنه واقع نشاهده في مظاهر وحقائق متعدّدة ، نقلد فيها الغرب تقليد هوى وضياع . انظر إِلى ما شاع في العالم الإسلامي من رقص وغناء ، وإباحية تحملها الصحف والمجلات والفضائيات ، وكذلك الممارسة في الواقع . وحسبك مثلًا على ذلك التقليد الأعمى فيما نشاهده من موضوع"سوبر ستار"وما رافقه من حشود الملايين التي انهمكت في إدلاء الأصوات في حمىّ من التنافس مجنونة ، ثم في حشود تجتاح الشوارع لتكريم واحدة هنا ، ولتهنئة الفائزة هناك:
كم من مهرجان في الديار تفتّحت
أبوابه لمهّرج وممثّل
جعلوا"الفنون"هوى النفوس وفتنةً
هاجت وعرضًا للهوى المتبذلِ
رقصًا يدور به العراةُ على غنـ
ـناء في دوار للرؤوس مُبَدّلِ
في كل ساح حفلة يعلو بها
نجم بأنغام الهوى ! كم محفل
كم من نواد ضاع في غمراتها
شرف وغابت في هوان أرذل
"دنيا الفنون"! وقد أشاح الفنّ
عنها واستدار وقال يا نفسُ ارحلي
سقطت بأمواج الرذيلة واعتلت
قمم الفجور وكل أمر مخبلِ
ويحي أتصحو أمة من سكرة
طالت ومن عيش يمرّ سبهلل (1)
إن لم تقمْ في الأرض أمة أحمد
خاب الرجاء وضاع كلّ مؤمل
وأقول في قصيدة: أعلى طريق القدس: ردًا على"ملحمة على طريق القدس"التي دعا إليها بعض الفنانين:
وعلى طريق القدس تنطلق الفنـ
ـون هوى وألحانًا تموج وتطربُ
لك يا فلسطين الحبيبة رقصةٌ
هاجت تهزُّ من النهود وتعربُ
لك يا ربى القدس الحبيبة هِزَّة
من كل قدٍّ مائس يثوثْبُ
أعلى طريق القدس ملحمّة الفنو
ن وحشدها وهوى يتيه ويُعربُ
عجبًا يصوغون الملاحم رقصة
دارت وآلات تضجّ وتصخَبُ
وتقول راقصة رميت على العدى
رقصًا يُهدِّم ركنهم ويخرّب
ويقول فنان دفعت على العدى
لحنًا يصد جيوشهم ويُغيّبُ
فإذا العدوّ جحافل ومدافع
دوّت ودباباته تتسَّربُ