ثالثًا: اختراع أسماء مبتدعة ومحاكمة الناس إليها: وهذا المسلك ليس أقل خطرًا من سابقه، فهذا الفريق يخترع أسماءً جديدة مبهمة تهدف إلى تفتيت الدين وتفريغه من حقائقه واحدةً تلو الأخرى، ويحاكمون الناس إليها موقعين بهم أسوا الأحكام ومرتبين على تلبسهم بها أقذع الألفاظ من وصمٍ بالإجرام والضلال والزيغ والانحراف، ولئن كان من هذه الأسماء في القديم الحشوية والناصبة فتأمل معي أمثال هذه الألفاظ اليوم: الجهاديون، الأصوليون، التكفيريون، وغيرها من المسميات التي لا هدف من وراء ترويجها والحكم على فئام الناس بها وإيقاع أشد النكال المعنوي والمادي بهم إلا تفتيت الدين وإقصاء الناس عن هذه المعاني التي لا تخلو حقيقة الدين منها، فإذا بالمسلم يرى النكال المنزل بالجهاديين فيتبرأ من الجهاد والمجاهدين، وإذا به يرى الصورة المنفرة للأصولية فيخلع من رداء الدين ما استطاع أن يخلع فرارًا من أن يُحسب على هذه الفئة، حتى إذا جاء ذكر التكفيريين تبرأنا من كل تكفير وأصبح إيمان إبليس وفرعون وهامان وقارون كإيمان جبريل وميكائيل والنببيين والصديقين، فتبًا لهم ما أقبح ما جاؤوا به...
وبعد، فإن المستنقع الذي يغرق فيه هؤلاء عميق ، والهوي فيه لا قرارة له، روى الحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:"إني لأعلم أهل دينين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار؛ قومٌ يقولون: إن كان أولنا ضُلالًا، ما بال خمس صلوات في اليوم والليلة، إنما هو صلاتان العصر والفجر ، وقومٌ يقولون: إنما الإيمان كلام وإن زنى وإن قتل" (قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ، فليس غريبًا أن يتكئ أمثال هؤلاء على قوله تعالى:"وأقم الصلاة طرفي النهار" (هود 114) فيشنوا الغارة على (الصلاتيين) الذين يصرون على التطرف والتشدد فيلتزمون بالصلوات الخمس، أو يجيء من يتكئ على قوله تعالى:"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم والله سميعٌ عليم" (التوبة 103) ، فيشنوا الغارة على (الزكاتيين) الذين يصرون على هذه النظرة المتطرفة والتشدد الأصولي والنزعة التكفيرية تجاه من يجحد الزكاة، ورديف هؤلاء وهؤلاء قومٌ يأنسون إلى حديث:"ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا" (سنن ابن ماجة، وضعفه الألباني رحمه الله) ، فيشنون الغارة على (الحدوديين) الذين يدعون إلى إقامة حدود الله بين عباد الله في أرض الله، وهكذا حال هؤلاء من حضيض إلى حضيض، يخترعون أسماءً يفتتون بها الدين ويفرقون بها شمل أهله ويقطعون بها أواصر رحمه، ولقد فضخ الله تعالى هؤلاء في كتابه فقال:"كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عِضين" ( الحجر 90-91) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( الذين جعلوا القرآن عضين) قال:"هم أهل الكتاب جزؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه" (صحيح البخاري) ، ولكن أين الفرار لهؤلاء، فلقد أقسم الباري جل وعلا:"فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون" (الحجر 92-93) .
هذا بعض ما أردنا تحذير المسلمين منه من شأن هؤلاء المقتسمين، فليمضوا في غيِّهم يحذرون الناس من الجهاديين ومن الأصوليين ومن الصلاتيين ومن الزكاتيين ومن الحدوديين، ولئن كان الله سبحانه وتعالى قد كفانا أمثال هؤلاء:"إنا كفيناك المستهزئين" (الحجر 95) ، فإنا ماضون بإذن الله على أمر الله تعالى:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" (الحجر 94) .