فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 27345

وهذا يدل على أن الموادعة يمكن أن تكون بين المسلمين وغيرهم، ولكن ليس يعني أن المسلمين كانوا ضعفاء فوادعوا من هم أقوى منهم، واتفقوا مع أقوياء يستمدون منهم النصر، ويأخذون منهم النجدة والدعم والسلاح، يُوادع المسلمون غيرهم حتى يقووا هم بأنفسهم لا بغيرهم، لا يرتمون بديار سواهم ويعيشون في كنفهم، ثم يقولون: نُحالفهم، وعندما وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود كان هو القوي، والمسلمون هم الأعلى، وفي الساعة التي يرون اليهود يُريدون التلاعب، أو يبدو منهم الغدر، أو تظهر منهم الخيانة يمكنهم أن يتصرّفوا بهم كما يشاءون، وقد لاحظنا أنهم أجلوا بنو قينقاع، ورحّلوا بني النضير، وأوقعوا ببني قريظة، ويهود لا يستطيعون فعل شيء، فالمسلمون هم الأقوياء وخصومهم هم الضعفاء، المسلمون لا يخونون ولا يغدرون، أما أعداؤهم فإن فكروا بهذا؛ فإن المسلمين قادرين على كل تصرّف.

ويمكن أن يكون بين المسلمين وغيرهم ميثاق أي أن يكون اتفاق بين الطرفين ألا يحدث بينهم قتال، وهذا ما حدث في صلح الحديبية، إذ كان من شروط ذلك الصلح أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين، وهذا لا يعني أن أحدهما ركن إلى الآخر، وإنما بقي كل جانب يأخذ حذره من الآخر خوف الغدر، ويستمر في استعداده خوفًا من اللقاء المرتقب بين الجهتين، والمسلمون لا يغدرون، ولا يخونون، ومطلوب منهم أن يتموا الميثاق إلى مدته .

ويمكن أن يكون هناك اتفاق بين المسلمين وغيرهم على عمل شيء أو قيام أحدهما بدعم الآخر، فالمسلمون وهم يتقدمون فاتحين في بلاد العراق وقد ظهرت قوتهم وبدا تفوقهم؛ طمع في التقرب منهم بعض القبائل التي كانت تقيم هناك من غير الفرس، ومنها قبائل عربية، وكان من بينها بنو تغلب وكانوا على النصرانية يخالفون المجوسية دين الفرس، فعرضوا على المسلمين مساعدتهم في القتال فوافقهم المسلمون على أن يُقاتلوا وحدهم كي لا يدخلوا وسط المسلمين ويمكنهم علم شيء فيما إذا كانوا يفكرون بغدر أو خيانة.

هذه الاتفاقات وهذه الأحلاف التي عقدها المسلمون أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام خلفائه الراشدين مع غير المسلمين.. وهكذا كانت أيام قوة المسلمين في كل عصورهم ومراحل حياتهم، وتنطلق من نقطتين اثنتين:

المسلمون هم الطرف الأقوى، ولا يعقد المسلمون حلفًا أو اتفاقًا أبدًا وهم الجانب الأضعف كي لا يكونوا تبعًا لغيرهم، وقوة ملحقة بجماعة أخرى.

يُملون شروطهم على الآخرين ما داموا هم الأقوى ويلتزمون بشروطهم، ويراقبون حليفهم فإن بدر منه شيء يخالف الشروط أو يسيء للمسلمين أدّبوه.

ويُريد بعض المسلمين اليوم أن يغالطوا: تبريرًا لمواقفهم فيدّعون أنه يحقُ للمسلمين التحالف مع غيرهم، ويقفون عند هذا الكلام ويسكتون عن جانب القوة لينطبق مع ما يريدون تحقيقه.

إن كلامهم هذا صحيح ولكنه ناقص مبتور إذ لم ينظروا إلى القوة وجانب الشروط، كالذي يقرأ شطرًا من الآيات، ويترك الشطر الآخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [43] { 'سورة النساء' فيقرأ::} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ { ويترك:} وَأَنْتُمْ سُكَارَى .

وقد عقدوا التحالف مع غير المسلمين بناء على مُغالطاتهم هذه، وكانوا الجانب الأضعف، فأصبحوا تبعًا لغيرهم، ومجموعة ملحقة بسواهم؛ فأذلوا بذلك المسلمين، وزادوهم ضعفًا إلى ضعفهم، ثم لحق بهم أتباعهم، فأيدوهم من غير تفكير، وتبعوهم دون استعمال عقل، فوضعوا المسلمين في آخر الركب، واستعلى عليهم من كان دونهم، وتجرأ عليهم من كان لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.

من رسالة'المغالطات وأثرها في الأمة' للشيخ/محمود شاكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت