فهرس الكتاب

الصفحة 9140 من 27345

ومن شأن العمل أن يؤدي إلى تطوير الحياة، ومن خلاله يحصل الناس على أقواتهم فيزرعون ويحصدون. والقرآن الكريم يأمرنا أن نجوب الأرض بحثًا عن الرزق، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) {الملك: 15} . والحياة سلسلة من الأعمال متصلة الحلقات، والذي يقعد عن العمل مع القدرة عليه لا يستحق الحياة؛ لأنه بذلك يصبح عبئًا على غيره، ويصير طفيليًا على الحياة ذاتها، فالقعود عن العمل كسل ممقوت. ومن أجل ذلك يقول عمر بن الخطاب:"لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الله تعالى يقول: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) {الجمعة: 10} ".

وهذا يعود إلى أن الإسلام بنصوصه وروحه دستور ونظام، وعقيدة وشريعة، والإسلام عمل للدارين: الآخرة والأولى، وهما في الإسلام موصولتان. والفقه الإسلامي شقان متكاملان متلازمان: عبادات ومعاملات، فإلى جانب أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج؛ نجد أحكام الشراكة والمزارعة والمساقاة والمضاربة والوكالة والكفالة والحوالة إلى آخر هذه الأمور التي تتصل أوثق اتصال بالحياة الدنيا، والتي تستوعب الأبواب الكثيرة للمعاملات، ونجد أوامر بالوفاء بالعقود، وبأداء الأمانات إلى أهلها، وبرد المظالم، وإعطاء كل ذي حق حقه.

والعمل قيمة ينبغي الحرص عليها؛ فالأخذ بها يؤدي إلى التقدم والارتقاء، والتخلي عنها يؤدي إلى التخلف والجمود والموت؛ حيث إن الإنسان في الإسلام إذا كان مكلفًا بعمارة الأرض، فإن ذلك لن يتحقق بأي حال من الأحوال دون عمل. وقد تعلمنا من تراثنا أن الوقت من ذهب، وأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وهذا يعني ضرورة ملئ أوقاتنا بالعمل المفيد والمنتج أو بالتعبير القرآني بالعمل الصالح حتى نسهم في دفع عجلة الحياة، والارتقاء بها، وألا نكون عالة نستجدي المعونة من الآخرين.

ونحن لا نقصد هنا بالعمل القيمة المطلقة للعمل فحسب، كشيء فطري في الخلق، وإنما نعني بالعمل ارتباط الفكر بساحات الأداء البشري المفصل، واتصال المعارف بالتجربة والتطبيق، فالواقع الراهن يؤمن بالحركة العملية، فهو لم يعد شغوفًا بالفلسفة النظرية والتأملية الخالية من المعنى، بل إن العمل يعطي للأفكار قيمتها، وإشعاعها، ويبرهن على عبقرية الجهد الإنساني الواقعية، وقد كان هذا طابع العمل دائمًا في الحضارة العربية والإسلامية، بخلاف كثير من الحضارات السابقة، التي نظرت إلى العمل نظرتها إلى شيء دنئ ومنحط؛ ولذلك أعلت من شأن الفكر وحياة التأمل وأعرضت عن حياة العمل والممارسة والتجربة، بخلاف التوجه الإسلامي الذي دعا الإنسان إلى الاهتمام بالصناعات بقدر اهتمامه بتحصيل العلوم النظرية، والسعي إلى فهم الكون والوجود فهمًا عقليًا وإيمانيًا.

فللعمل في الإسلام شرف كبير ليس له مثله في غيره من الأديان والثقافات. فالتراث الإغريقي مثلًا وهو الذي ترك آثاره واضحة في الفكر الغربي لا يقف عند تجاهل شرف العمل، بل يرى بعض العمل عارًا: كان العمل غير الذهني عند الإغريق وصمة اجتماعية توجب لصاحبه التحقير، وكانوا يرون أن الاضمحلال البدني الناشئ عن هذا العمل يستتبع انحطاط الروح، وكانوا يرون المواطن الصالح لا يكون أبدًا من العمال (11) .

وحتى بعد قيام الثورة الصناعية في أوربا في بداية العصر الحديث؛ ظل بعض الشعراء والقصصيين الغربيين أمثال شيلر، ووردز ويرث، وكير جارد، وفولكنر يحطون من شأن المجتمع الصناعي باعتبار أنه في رأيهم يقضي على القيم الإنسانية.

أما في الإسلام، فيكاد يكون من المعلوم منه بالضرورة أن العمل شيء يطلب، ويحث عليه، وتحصل بسببه المثوبة، وقد نوه القرآن الكريم ببعض الصناعات الهامة على عهد نزوله، بالنسبة للمجتمع الإسلامي، تنويهًا يشير إلى عظيم آثارها وجليل فضلها، وإلى أنها من أكبر النعم التي يمن بها الله على عباده. فقد نوه بمختلف الصناعات والحرف البشرية مثل:

1 -صناعة الحديد والمعادن: حيث يقول الله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) {الحديد: 25} ، ويقول في الحدادة: (آتوني زبر الحديد حتى"إذا ساوى"بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) {الكهف: 96} ، ونوه بصناعة التعدين، حيث يقول: (وأسلنا له عين القطر) {سبأ: 12} ، أي: النحاس المذاب الذي يستعمل في صنع الجفان والقدور. وكذلك يقول: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) {الرعد: 17} . وفي الصياغة يقول: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا) {الأعراف: 148} ، كما أشار إلى صناعة الدروع بقوله: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ) {الأنبياء: 80} ، وقوله: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم) {النحل: 81} ، وقوله: (وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد) {سبأ: 10، 11} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت