فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وتلحق سيارة الأم والخالات الإبن إلى المطار .. وهناك يجلس الجميع وتعود الروح للجسد ويجف الدمع .. لكن احمرار عيني علي ما منع الدمع عنهما .
يقدم الابن جواز السفر وتوزن الحقائب فيبدأ الوداع الأخير .. قبل الدخول إلى قاعة الانتظار للانطلاق الأم تقول: آخر لقاء يا ولدي .. آخر نظرة يا فلذة كبدي .. لا لا ... ولدي فأنت في قلبي لا تغادر جسمي ما نبض قلبي .. أنت في عقلي .. أنت في ذاكرتي كل ما أمسيت وأصبحت .. فأنت استجابة دعائي ولك كل رضائي .. فعين الله ترعاك .
ويأتي دور الأب فيحتضن الولد ولا يتركه ويتجرع أنفاسه لكن دمعه كان أسبق منه .. فتنهّد واستغفر وذكر الله وحوقل
دعا قائلًا: بتوفيق الله يا ولدي .. ولا تنس ما عودتنا عليه من صوتك الندي وترتيلك القرآن .. وقيامك الليل .. وكن يا ولدي مع الله .. فالله معك .. ولا تنس الدعاء لوالديك وأنت في جو السماء .. فدعوة المسافر مستجابة .. وكن المثال والأمام وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والمواعظ الحسان .
فرسالتك يا ولدي رسالة أنبياء .. ودعوتك دعوة أبيك إبراهيم .. واعلم أنك من خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر .. ولتكن يا ولدي السفير الناجح .. واجعل الناس يعرفون الإسلام من خلال معاملة أبناء الإسلام لغيرهم فأنت الندرة وأنت القدوة .
وما زال علي يطرق رأسه أرضًا ويسمع كل حرف لينقشه في ذاكرته .. هذه الكلمات الأخيرة لأنها من والد خبر الحياة وعرك الدهر وتجرّع التجارب حنظلها وحلوها .. وخالط الناس وتحمّل لسع اللسان ووقع السنان .. وبقي طول الزمن لا يتوجع .. ولريب الأيام لا يتضعضع .. فهو مثال الأب وعنوان الصبر وبريد الذكرى واللوحة في الصدر لا تنسى .
وتقدم الإبن نحو سلم الطائرة وهو يحمل في ذاكرته نموذج الحياة ورسالة الداعية وهموم الطالب وأمل الأهل وحب الوطن ورضا الوالدين .. وأخذ يتذكر في هذه الساعة .. ساعة الوداع .. وداع الأهل .. الوطن .. وحلقت الطائرة في عنان السماء .. وطار العصفور وابتعد عن عشه .
أيعود إليه ؟؟ أيهتدي إليك ؟؟ أم تطويه شهور السنة وأيام الشهور .. فيغفل عن حمل الرسالة وتضيع منه الأمانة .. يا ترى من يدري ؟!!
لكن عليًا ليس من هؤلاء .. الذين لا تمتد لهم جذور في أعماق الأرض .. بل أنه منغرس فيها زمن الزيتون الرومي .. وعاش أجداده فيها زمن الديناصور البدائي .. إنه يحمل الانتماء ويعشق عود الريحان ونبات الأقحوان .. حتى طعم الماء من الساقية له عنده نكهة وحلاوة عنب الخليل لها على لسانه لذّة .
إنه غرد وارتفع وحط على الأرض ثم ارتفع .. نهل من عذب العلوم وارتوى من عصير الليمون ، وشرب المعرفة وتفوّق في الهندسة .. بل كان الداعية .. ونفذ الوصية ونور قلوبًا داكنة وطرح أفكارًا طيبة .. وهدى الله على يديه عبادًا صلح حالهم واستقام خُلُقهم .. وبدد إسلامهم دياجير الظلمة والكفر كغيرهم .
إنه في الجامعة إمام الجامع والمرجع النافع .. سريع الفهم شديد الحفظ .. قوي الذاكرة عالي الخُلق كريم الطبع أحبه النصراني ومال إليه الكتابي .. فكان الشمعة وقت الظلام .. نام الناس وقام .. أفطر الشباب وصام .. حمل الأمانة وبلّغ الرسالة .. وإن تعب تذكر كلام الوالد وحث نفسه واعتلى العزائم .. فكان له في كل يوم مطلعًا وفي كل شهر موعدًا .. فهو المحاضر في الجامعة والداعية في النادية .
حس القوم خطر دعوته ولكن حسن سيرته وحلو طلعته وجمال أسلوب دعوته أغلق كل باب وما فتح سؤالًا لجواب .. أحبه القاصي قبل الداني وانتشر عبير ريحانه وتنشق الجميع في بلاد التيه رائحة المسك وذاقوا طعم الزعفران من عشرته .
ما أجمل الزهور وما أحسن النحل وهو يحط عليها ويلثم وجنتيها ويرتشف من رحيقها وينفع الناس .. فمنه يخرج الشفاء كما وصفه رب السماء .
إنه علي ما حنى ظهره إلا لربه وما ضعف يومًا بل كان مع أمه كل أسبوع وفي محاضن أهله كل شهر .. فهو معهم وإن بعدت الديار .. فالبعيد قريب .. والغائب لبيب .. صنع الرجال في بلاد التيه .. وبنى العقيدة والإيمان .. فزانت القلوب وعمرت الصدور وجنى الثمار وعاد بهمة عمر .. إنه ابن الوطن وربيب الإيمان ومنبت الإحسان .. وبمثل ذلك فليعمل العاملون .. وليكن الأبناء المبتعثون .. وروح وريحان وخُلُق عباد الرحمن .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركات