فهرس الكتاب

الصفحة 7854 من 27345

فمثلا الإعذار بالجهل من جهة اعتباره من عوارض الأهلية وثبوت أدلته أمر ظاهر معلوم، قد ورد عليه نصوص كثيرة منها حديث الذي أمر أهله بأن يحرقوه، فعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، فقال لأهله إذا مات فأحرقوه، ثم ذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوه به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له) أخرجه البخاري (3478) ومسلم (2756) .

وهذا حديث متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 1/491)

يقول ابن تيمية: (وكنت دائمًا أذكر هذا الحديث فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته، إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك) مجموع الفتاوى (12/491) .

لكن قد يقع الاختلاف بين أهل السنة في المسائل التي يعذر بجهلها، وكذا الأشخاص والأزمنة والأحوال، فأفهام أهل العلم متفاوتة في مراعاة عوارض الأهلية، وتنزيلها على الواقع، فقد يعذر أحدهم بالجهل في مسألة بينما لا يعذر العالم الآخر، كما يعذر الآخر أحدهم بالجهل تجاه شخص ما لا يعذر الآخر، فمسألة العذر بالجهل مسألة اجتهادية. [1]

وكذا قد يكون الحكم قاطعًا في تقرير وتنظير جملة من نواقض الإيمان قد يعمد عالم من العلماء -عن أهلية واجتهاد وديانة إلى تكفير من ليس كذلك، فيكون ذلك العالم معذورًا ومغفورًا، يقول ابن القيم - رحمه الله: (إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ولرسوله ودينه لا لهواه وحظه فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع فإنهم يُكفرون ويبدعون لمخالف أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه) زاد المعاد (3/423) .

إن استصحاب عوارض الأهلية في تقرير مسائل الإيمان والكفر يزيل الاشتباه ويفصل المجمل ويقيد المطلق، فإن من الجهل ما يعذر به المكلف، كما أن من التأويل ما يدرأ عن صاحبه الوعيد أو التكفير، كما أن المتعرض للإكراه الملجئ معفو عنه.

*إن التفقه في دين الله - تعالى -والتزود من العلم الشرعي يورث رحمة للخلق وإشفاقًا عليهم، فأهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، ولما غلب على الخوارج الجهل بدين الله - تعالى -أورثهم ذلك غلظة وقسوة، فكانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يقول ابن القيم (ولما كان نصيب كل عبد من الرحمة قدر نصيبه من الهدى كان أكمل المؤمنين إيمانًا أعظم رحمة كما قال - تعالى: في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(( محَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ) (الفتح: 29) .

وكان الصديق من أرحم الأمة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر) رواة الترمذي، وكان أعلم الصحابة باتفاق الصحابة.

وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا، فوسعت رحمته كل شيء، وأحاط بكل شيء علمًا) إغاثة اللهفان (1/ 250-251) باختصار فظهور العلم الشرعي ونشره عبر الوسائل المتعددة من جامعات وحلقات مساجد ومراكز علمية ومنابر إعلامية، كل ذلك كفيل بجلب الرحمة والرفق والإشفاق على الخلق ورجوعهم إلى الحق، فلقد ظهر ابن عباس ـ - رضي الله عنهما - ـ على الخوارج بالحجة فرجع شطرهم وصاروا مع علي ـ - رضي الله عنه - ـ، وشغف يزيد الفقير برأي الخوارج فحدثه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - بحديث الجهنميين، فترك مذهب الخوارج، وقد دوخ الخوارج بني أمية بأنواع من الحروب والقلائل، فلما ولي عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - الخلافة كاتب الخوارج ورد شبهاتهم فأقر بعضهم، ولما بلغت الخوارج سيرة عمر بن عبد العزيز وما رد من المظالم اجتمعوا فقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل (انظر أخبار عمر بن عبد العزيز للآجري ص 62) .

وأما القمع والاضطهاد فلا يعقبه إلا غلو وإفراط، كما هو الواقع في القديم والحديث، وما خبر جماعة التكفير والهجرة عنا ببعيد.

[1] انظر شرح كشف الشبهات لابن عثيمين ص 27

28/11/1425 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت