فهرس الكتاب

الصفحة 14328 من 27345

وإن من أسباب نجاح النصرة وحصول أثرها: أن المسلمين اجتمعوا في هذه الحادثة على كلمة الإسلام، ولم يلتفوا إلى: شعارات، أو أحزاب، أو جماعات. بل طالبوا كل من له اسم الإسلام أن يهب لنصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يشترطوا لذلك شرطًا سوى الإسلام. وهذا الاجتماع الذي يحبه الله تعالى، وأمر به كثيرًا في كتابه، وأبان أن التنازع سبب الفشل:

- (...وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [لأنفال: من الآية46] .

- (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ...) [آل عمران: من الآية105] .

وهذا الاجتماع مطلوب، وبيان الحق ووجوب اتباع السنة والصحابة مطلوب.. ولا يتعارضان، وكل مسلم فيه من الخير بحسبه، لا يخلو من ذلك، والواجب أن ينمّي الخير الذي فيه، ولا يترك لأجل ما فيه المخالفة للسنة والإسلام، بل يناصح بحكمة، وموعظة حسنة، ومجادلة بالتي هي أحسن.

فهذان الحدثان أثبتا خطأ من أساء الظن بالمسلمين، وقضى بأنه لا خير يُرجى، فحكم بهلاكهم، لما يرى من كثرة معاصيهم، وجرأتهم على المخالفة، واستعلانهم بها، وسعيهم فيها كسعي النار في الهشيم.

كلا، بل هذه الأحداث أنبأت أن المسلمين يسعون في الخيرات، كسعي الماء في الجداول والأنهار، وأنه كما قال صلى الله عليه وسلم وسلم:

-"أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خير، أم آخره" [أحمد 3/130] .

فهذه الأمة فيها الخير، والعاقل الموفق هو القادر على استخراج هذا الخير، أما الفاشل فهو الذي إذا عجز جلس يقول: هلك الناس. وإذا قال كذلك فهو الهالك، كما قال عليه الصلاة والسلام:

-"إذا قال الرجل: هلك الناس. فهو أهلَكُهم". [مسلم، البر، باب: النهي من قول: هلك الناس] .

أي فهو أولهم وأكثرهم هلاكًا، وهذا على رواية الضم للكاف. وأما على الفتح فمعناه: فهو الذي أعانهم على الهلاك، وتسبب في ذلك. وفي كلا الحالتين هو أعظمهم إثمًا وجرمًا.

وإن السؤال الذي يرد في هذا المقام: إذا كان هذا حال المسلمين في النصرة، والمسارعة في قضاء النافلة، فلِمَ هم يسابقون إلى الشهوات المحرمة الظاهرة؟

-أليس من التناقض: الجمع بين الإيمان والمعصية؟

-أم عودة صادقة، وانتفاضة إيمانية مخلصة؟

-أم شبهات مضللة، ومضلون لبّسوا عليهم دينهم؟

والجواب: كل هذه الأسباب والحالات واردة:

-فهناك من المسلمين من يفعل الخطايا والطاعات على حد سواء، ولا يستغرب من مثلهم أن ينصروا النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ يجوز للمسلم أن يكون جامعًا بين الطاعة والمعصية، مع كرهه للمعصية، وحبه للطاعة، والأمثلة على هذا كثيرة: كالرجل الذي كان يشرب الخمر، ويُجلد فيه، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يحب الله ورسوله. ومثل هذا يَعلم بمعاصيه، وأنها مشؤومة وخاطئة، ويرجو من الله تعالى أن يعافيه، ويغفر له، ويتمنى الهداية والصلاح، وهذا من الله قريب، ورحمته إليه أقرب، والغالب في مثله: الإقلاع عن معاصيه الظاهرة، والاستقرار على الطاعة. كأبي محجن الثقفي الذي نكل بالفرس في معركة القادسية، وكان حبسه سعد بن أبي وقاص في شربه الخمر، فانفلت من قيده، فقاتل وأبلى بلاء حسنًا، ثم عاد إلى قيده موفيًا وعدًا قطعه لزوجة سعد بذلك، فلما علم بأمره سعد أطلقه، فعاهده ألاّ يشرب الخمر بعدها.

-وهناك من المسلمين من انتفض وعاد إلى إيمانه مخلصًا، بسبب هذا العدوان، فالاستفزاز يحفز الإيمان، ويعيده جذعًا، حتى إنك لتجد الغارقين في الذنوب من ينقلب صالحًا، بسبب عدوان صريح أظهره كافر على الإسلام، لا يحتمله، ولا يرضى به، فيظهر من النصرة والغيرة شيئًا يحبه الله تعالى، فيكافئه على ذلك بصلاح الحال والمآل.

-وهناك من المسلمين مضللون، بالشبهات والشهوات، حتى زُين لهم الإثم. ففي الأمة أئمة مضلون، يضلون الناس بعلم وبغير علم، يجعلون المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، منهم الذين يلبسون لباس الدين، فيلبسون على الناس بالشبهات، ومنهم الذين ينشرون الشهوات، في كل مكان وزمان، حتى يصدوا الناس عن الخير، والأخطر من ذلك: ربط هذه الخطايا بالأرزاق. فلا يكون سبيل للرزق إلا بركوب معصية وخطيئة، فيضطر الناس اضطرارًا إليها، ويحتمل وزرها الأكبر من دفعهم إليها. ففي المسلمين من هذا النوع كثير، وهؤلاء لا يُستغرب منهم القيام لله تعالى بنصرة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فإنهم أخيار، ولولا هذه الأحوال المغرية بالمعصية، وربطها بالعيش والرزق، لوجدتهم من عباد الله الصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت