بذلك يتأكد المبدأ الحكيم الذي أرساه رسول الله وهو ضرورة الإعلام الصادق بحقائق الموقف، وعدم إخفاء المعلومات الحقيقية، حتى لا نترك الجماهير أو أفراد الجيوش للوقوع كفريسة لغسيل الدماغ، وإذا كان معظم الباحثين المعاصرين يميل لموضوع غسيل الدماغ إلى اعتباره"تكتيكًا"يستخدم على المستوى الفردي، أي عند ممارسته على الأفراد، وأنه لا يستخدم عادة وإن حدث واستخدم لا يكون ناجحًا على مستوى الجماهير، إلا أن استقراء الواقع الذي نعايشه اليوم والمتمثل خاصة في أسلوب إسرائيل والغرب وأمريكا في غسيل أدمغة العالم العربي والإسلامي بالأكاذيب والأضاليل، يؤكد وجود ما يمكن تسميته عن يقين بعمليات غسيل الدماغ الجماعي.. لكن ما هو أصلًا غسيل الدماغ؟.
بين مرحلة التخلي ومرحلة التحلي
تتزاحم التعاريف التي تسعى إلى تفسير غسيل الدماغ كما تتزاحم المسميات، فمقابل هذا المصطلح سنجد مجموعة من الأوصاف التي تحاول وصف هذا الأسلوب النفسي الذي يسعى إلى تحرير الفكر أو السلوك البشري ضد رغبة الإنسان وعقيدته أو إرادته أو سابق ثقافته وتعليمه، ومن هذه المسميات الوصفية لهذه الوسيلة التقنية المخططة نجد ما يلي:
إعادة تقويم- بناء الأفكار.
التحويل- التحرير المذهبي- الفكري.
الإقناع الخفي.
التلقين المذهبي.
ولكننا من جماع الدراسات المستفيضة لتقنيات عمل غسيل الدماغ كأسلوب نفسي يسعى لتغيير الاتجاهات، عملنا على وضع هذا التعريف الذي جعلناه وصفًا دقيقًا لهذه العملية وهو: (الإقناع القسري المقنن) أي الإقناع الذي يمارس ضد رغبة الفرد وإرادته مستخدمًا طرائق تقنية وأساليب إجرائية ذات مواصفات قياسية معيارية.
ولمزيد من فهم هذا التعريف لا بد من التعرض بشئ من التفصيل لهذه العملية، ثم نطرح الأسلوب المستخدم اليوم على المستوى الواسع جماهيريًا لنقف على أبعاد ما أسميناه ب (غسيل الدماغ الجماهيري (Washing Mass Brain. ولفهم ميكانيكية عملية غسيل الدماغ يمكننا وضع هذه المعادلة ثم نفصل القوة على مستوى العمل الفردي:
غسيل الدماغ: ضغوط (إجهاد عقلي + قابلية للإيحاء) + تعليم قسري (ثواب وعقاب) = الاستجابة الشرطية.
وفي عمليات غسيل الدماغ التي تتم وتمارس على الأفراد يمكننا أن نحدد مرحلتين أساسيتين هما مرحلة التخلي ومرحلة التجلي.. وهكذا نجد أن الحملة الغربية لتشويه الصورة العربية والإسلامية تسعى بإصرار وعناد لتقديم العرب والمسلمين باعتبارهم متخلفين برابرة وأنهم عدوانيون وإرهابيون بسبب انتمائهم العقائدي والحضاري والثقافي.
وبالرجوع إلى الشكل والمعادلات التي ذكرناها آنفًا ومحاولة عقد مقارنة بينها وبين ما يجري ضد أمتنا من حملات سنجد أن ثمة تطابقًا كبيرًا، حيث لجأت الدول التي تمارس الهجوم عبر الحملات الإعلامية الدعائية النفسية المعادية والغزو الثقافي وغسيل الدماغ الجماهيري والتخريب الفكري والتشويه الحضاري.. لجأت هذه الجهات إلى استخدام تقنيات وآليات عمل غسيل الدماغ، ولكن بتطبيقها هذه المرة على مستوى الشعوب.. فقد عمدت إلى أساليب العزل والحصار والحرمان ثم أساليب التخويف والتهديد، لا بل كانت تضطر أحيانًا إلى شن الحروب مباشرة التي تشبه أساليب العقاب والتعذيب على المستوى الفردي، وذلك من خلال قوتها الذاتية أو جهات أخرى خارجية أو داخلية.
كل ذلك كان ينعكس مباشرة على الشعوب وهي تقع تحت وطأة عمليات العزل والحرمان، والتهديد و العقاب بأن يزج بها في دوامة من فقدان الثقة والإجهاد والوهن والشعور بالضعف والعجز وعدم القدرة على المجابهة ومشاعر العجز عن التعبير وإبداء الرأي، فيتملكها الإحساس بالقهر حيث تترافق هنا الحملة مع عمليات التركيز على تحطيم القوى المعنوية الصلبة التي تتحصن بها الأمة، كالمعنويات والإرادة والإيمان بالمعتقدات والقيم والمصير والأهداف المستقبلية والقدرة على المقاومة والثبات، ويترافق كل ذلك أيضًا بعمليات نفسية أخرى هي الاستهجان والاستحسان حيث يتم إشعار هذه الشعوب الجمهور المستهدف بأن الناس جميعًا تستهجن هذه الأفكار والمفاهيم والمسلكيات التي لم تعد مقبولة، كما يتم إشعار الجماهير بأن الناس جميعًا والدنيا كلها تستحسن هذه الأفكار والمفاهيم الجديدة والمطروحة.