فهرس الكتاب

الصفحة 4263 من 27345

وفي هذه الحالة ونتيجة لكل هذه الخطوات المعمقة تنهار الدفاعات النفسية للأمة ويتفشى الشعور بالخوف والذعر بسبب اضطراب العمليات العقلية وازدياد التوتر والتنبيه العصبي والوقوع في براثن الشك والحيرة والقلق وعدم الثقة بأي شئ، ومع تكرار هذه العملية وإشعار الجمهور المستهدف بإصرار القائمين عليها على الاستمرار وعدم التراجع حتى يتم تبني الأفكار الجديدة.. تبدأ وسائل الإعلام المواجهة بالتخفيف من عوامل الضغط ثم رفعها كعمليات الحصار أو العمليات الحربية، والتهديد الدائم بها مع تقبل الأفكار والمفاهيم الجديدة والإذعان لإنتهاج السلوكيات المطلوبة حيث يبدأ الربط الشرطي، وتظهر الاستجابات الشرطية حيث يرتبط رفض ونبذ الأفكار والمفاهيم الجديدة مع الحصار والتهديد، بينما يرتبط تقبل وتبني الأفكار والمفاهيم مع الرخاء والازدهار والوعود البراقة بالرفاهية المنتظرة.. وهكذا يتم التخلي عن الأفكار والقيم والأهداف القديمة وتحل محلها الأفكار المطلوب تبنيها من قبل الشعوب، وهذه هي بالضبط عملية غسيل الدماغ واقعيًا على مستوى الشعوب.

وغني عن البيان القول بأن هذا الأسلوب يعتمد على مدى نضج الشعوب ودرجة التعلم والثقافة ومدى الإيمان والتمسك بالقيم والأهداف الاستراتيجية والعقائدية فهناك ثمة دلائل متزايدة على هجمة ثقافية بهدف فرض ثقافة حضارية غربية منتصرة، ومحاصرة الثقافات الوطنية وتهميش دورها داخل مجتمعاتها.

الإعلام الصادق يحمي الأمة من الانهيار

إذن فالإعلام الصادق هو الذي يحمي الأفراد والشعوب من الوقوع في فخ غسيل الدماغ، كما أن إخفاء المعلومات عن تفوق العدو من الأخطاء التي لا يجب أن يقع فيها القائد المسلم، لأن الحالة المعنوية التي قد يتصور البعض أن الإخفاء يحافظ عليها، سوف تنهار بمجرد بدء القتال الذي سوف يُظهر حتمًا جوانب تفوق العدو، وسوف يشكل ذلك مفاجأة تصدم الأفراد المقاتلين، صدمة أكبر من موضوع التفوق ذاته، وتؤدي إلى فقدهم الثقة في قيادتهم التي أخفت عنهم حقائق الموقف، الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى تعرضهم المباشر لغسيل الدماغ من قبل العدو وأجهزته وعملائه.

ونذكر في هذا المجال مثالًا يوضح بجلاء أهمية الإعلام الصادق وأثره الإيجابي في حماية الأفراد من غسيل الدماغ وأيضًا أثره الإيجابي في الكفاية القتالية، ففي غزوة تبوك عام (9) هجرية أعلن الرسول عن وجهته صراحة لرجاله حتى يقدروا ما تنطوي عليه الغزوة من مشاق السفر الطويل (أكثر من 700 كم) وشدة الحر، وقوة الروم وأتباعهم من نصارى العرب، ولكي يستعدوا لها الاستعداد النفسي والمادي الكافيين على حد سواء.. وقد وصف أبن هشام ذلك الموقف فقال:"إن رسول الله أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد.. وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد (يقصد) له إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشقة (المسير) وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم..".

كان من نتائج هذا الإعلام الصادق الذي كسر به رسول الله { القاعدة التي درج عليها في إخفاء اتجاه عملياته، أن خرج المسلمون إلى تبوك وتحملوا مشقات شديدة وتحملوا الجوع والعطش مدة طويلة حتى قال عمر بن الخطاب } كما جاء في كتاب:"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ج5 ص 646""خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي من الماء على كبده".

وكان من هذا التاريخ أيضًا أن المسلمين تدافعوا نحو تجهيز جيش العسرة بما يحتاجه من أموال وسلاح ومؤن، فقد بلغ عدده ثلاثون ألف رجل، فقد قدم أبو بكر ماله كله، وقدم عمر بن الخطاب نصف ماله، وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش (000.10 رجل) وحتى الضعفاء من المسلمين تقدموا بالقليل الذي يقدرون عليه.. وطلبت جماعة من المسلمين أن يعطيهم الرسول ما يركبونه فلم يجد، فتولوا وهم يبكون لأنهم لا يجدون ما ينفقون، ولذلك سموا البكائين وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم، فقال تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (سورة التوبة 91-92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت