حيث يقول عن التصرف في الفوائد الربوية: ( اعلم يا أخي إن إيداع النقود أو فتح حساب في البنك بنية أخذ ربا(فوائد) حرام لا يجوز ولو بنية صرف هذه الفوائد في سبيل الدعوة إلى الله؛ لأن الله حرم الربا بنص كتابه، وحرم رسوله - صلى الله عليه وسلم- كل وسيلة تعين عليه"لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" (7) .
أما إذا كان البنك لا يتعامل إلا بالربا كحال عامة البنوك في الدول الغربية، والإيداع في مثل هذه البنوك ضرورة لا بد منها فهل تؤخذ هذه الفوائد الربوية أم لا؟ اختلف أهل العلم اليوم في هذا فمنهم من منع ذلك أخذًا بظاهر نصوص القرآن كقوله تعالى:? الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَس ? [البقرة:275] ، وقوله: ? ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? [ البقرة:278] ، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث:"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.." (8) ، وقال بعض العلماء بجواز أخذ هذه الفوائد الربوية من تلك البنوك وصرفها في مصارف الخير بنية التخلص منها لا بنية الصدقة لأنها مال خبيث، ولعل هذا القول هو الأرجح عندي -إن شاء الله-؛ لأن هذه الفوائد مع ضخامتها لو تركت عند البنوك الربوية في مثل هذه البلاد الكافرة لتقوى بها اقتصادها، وعاد ضررها على المسلمين، وإذا كان الأمر كذلك على هذا القول فالواجب عليك -أخي السائل- أن تجتهد في صرف هذا المال المسؤول عنه في أولويات أعمال المركز عندكم وأنشطته ما دامت في خدمة الدعوة إلى الله في بلاد الغربة، من دعوة غير المسلمين وتأليف قلوبهم ونشر الكتب والأشرطة التي تشرح العقيدة والأحكام الضرورية، وأنصح المسلمين بألا يأكلوا أو يشربوا مما صرف من هذه الفوائد على الطعام والشراب مما قد يوضع في المركز وهذا من باب قول الله ?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?" [التغابن:16] "
فالله الله في تدبر هذه الآية على وفق جوابي لسؤالك، وفقنا الله وإياك إلى كل خير (9) .
4ـ الشيخ عبد الله بن منيع:
سئل فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع: -حفظه الله- ما حكم أخذ الفوائد الربوية من الحساب البنكي الخاص بي، وذلك لصرفه للمركز الإسلامي الموجود في المدينة أو توزيعها على المحتاجين من المسلمين؟ علمًا أنه يوجد حساب بنكي بدون فوائد ربوية.
فأجاب: الحمد لله، الفوائد البنكية ربا صريح، وإذا كان للمسلم حساب في بنك ربوي في مثل أمريكا، وليس هناك بنوك إسلامية يمكن فتح حسابات فيها، فهذا مسوغ للإيداع فيها؛ حفظًا للمال من عوارض الإضاعة والتسلط، وليس لغرض أخذ الفائدة، فإذا ظهر في الإيداع فائدة ربوية فيجب أخذها وصرفها في وجوه البر، تخلُّصًا منها، ومنعًا من أن تصرف إلى جهة غير إسلامية.
ولكن لا يجوز الإيداع في البنوك الربوية لغرض الاستثمار الربوي؛ لصرفه في وجوه الخير، حيث قد ينطبق على ذلك قول الشاعر فيمن تزني وتدفع أجرة زناها للأيتام:
أمطعمة الأيتام من كدِّ فرجها لكِ الويل لا تزني ولا تتصدقي والله أعلم (10) .
تنبيه مهم:
يشترط لهذه الفتيا عدم إمكان تمييز الجزء الحرام من المال من الحلال ،أو عدم معرفة صاحب المال الحرام الذي يجوز رد المال إليه ،مع كون مالك المال الحرام لا يستطيع أن يستغني عنه ، ويفهم هذا جليًا من تمام فتوى ابن تيمية.
حيث أفتى بأن البغي و الخمار إذا تابوا و كانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم فان كانوا يقدرون يتجروا أو يعملوا صنعة كالنسج و الغزل أعطوا ما يكون لهم رأس مال و إن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به و لم يردوا عوض القرض كان أحسن (11)
الثاني ـ أن يعرف المالك له الذي يحل له ملكه:
فهنا لابد من إرجاع المال لصاحبه، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام ؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه و قدر الحلال له ، و إن لم يعرفه و تعذرت معرفته تصدق به عنه.
خلاصة لكيفية التصرف بالمال الحرام:
سئل شيخ الإسلام ابن القيم عن ذلك: فأجاب بقوله: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهي: ( أن من قبض ما ليس له قبضه شرعا ثم أراد التخلص منه ، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته فإن تعذر ذلك تصدق به عنه فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة كان له وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظير ماله وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة رضي اله عنهم ) (12)
ولابد هنا من التنويه على أن المال المحرم نوعان:
النوع الأول: المحرم لوصفه: